الرشوة

. . ليست هناك تعليقات:

رَشْوَة ; رِشْوَة (جمعها رِشا) نــوع من أنواع الفساد، يُطلق على دفع شخص أو مؤسسة مالاً أو خدمة من أجل  الاستفادة من حق ليس له، أو أن يعفي نفسه من واجب عليه. وتعرف الرشوة بإنها كسب غير مشروع ناتج عن حصول الموظَّف الحكوميّ على أموال مستغلاًّ مركزه الحكوميّ ، لقضاء حاجة النَّاس التي يحصلون عليها كحقٍّ من حقوقهم مجّانًا أو برسوم.

موقف التشريعات المختلفة من الرشوة

تنقسم التشريعات الحديثة في نظرتها إلى الرشوة إلى اتجاهين:

الاتجاه الأول يرى هذا الاتجاه أن الرشوة تتكون من جريمتين مستقلتين أحدهما يرتكبها الراشي والأخرى يرتكبها المرتشي، وهدا يعني أن كل جريمة يصح فيها العقاب مستقلة ومنفصلة عن الأخرى، فكل منهما تعتبر جريمة تامة بكل عناصرها وأوصافها وعقوباتها، وعليه فان فعل الراشي لايعد اشتراكا في جريمة المرتشي بل هو فعل مستقل يعاقب عليه القانون منفردا. ويصطلح على تسمية جريمة الراشي " جريمة الرشوة الايجابية " وجريمة المرتشي "الرشوة السلبية".الاتجاه الثاني يرى هدا الاتجاه أن جريمة الرشوة هي جريمة واحدة، جريمة موظف يتاجر بوظيفته، فالفاعل الأصلي هو الموظف أو القاضي المرتشي أما الراشي فهو شريك له يستعير منه اجرامه.

موقف التشريع المغربي من جريمة الرشوةعدل

أخد القانون المغربي بالاتجاه الأول الذي يجعل من جريمة الرشوة جريمتين مستقلتين، فإرادة المشرع واضحة في التمييز بين جريمة الراشي والمرتشي ،حيث ينص القانون في المادة 126 و127 من قانون العقوبات التشريع المغربي على جريمة الرشوة التي يقترفها المرتشي وفي المادة 129 من نفس القانون على جريمة الرشوة التي يقترفها الراشي وان لم يذكر كلمة الراشي صراحة.

الرشوة في القانون المصري

الرشوة السلبية في القانون الجزائريعدل

تفترض جريمة الرشوة السلبية لقيامها توافر ثلاث أركان وهي:

1- صفة المرتشي يشترط القانون الجزائري في المادتين 126 و 127 من قانون العقوبات صفات خاصة في المرتشي حتى تقوم جريمة الرشوة وهي أن يكون موظفا عموميا أو من يكون في حكمه كالخبير ،الطبيب... عاملا أو مستخدما في مؤسسة خاصة. يجب ثبوت صفة الموظف وقت ارتكاب الرشوة وألا يكون تعيينه باطلا وأن يكون العمل المطلوب من الموظف آداؤه داخلا في في اختصاصه أو يكفي أن يكون له فيه نصيب من الاختصاص.وبالنسبة للمكلف بخدمة عمومية كالخبير مثلا أن يكون قد كلف بالعمل ممت يملك التكليف بصفة رسمية ،فلا تسري الرشوة على منيتطوع لعمل من الأعمال العامة.

2- الركن المادي تضمنت نصوص المواد 127 و 128 جميع صور الاتجار أو العبث أو الإخلال بالوظيفة أو باعمالها أو الشروع في دلك وعليه فان الركن المادي ينحصر في الأفعال التالية:

القبول سواء وقع على مال أو على هدية أو وعد بإعطاء شيء في وقت لاحق، ويتحقق القبول بالكلام أو بالإشارة أو بالكتابة أو أي شيء يدل عليه.

الطلب تتم الجريمة بمجرد الطلب ولو لم تتحقق النتيجة.

التلقي والاخد وهي الصورة العادية لجريمة الرشوة وتتم الجريمة في هده الحالة بمجرد تسلم المرتشي الشيء محل الرشوة سواء كان الشيء دا قيمة أو بسيطا.

3- الركن المعنوي جريمة الرشوة السلبية هي جريمة عمدية يتوافر ركنها المعنوي في صورة القصد الجزائي العام أي بتوافلر العلم والارادة فالمرتشي يجب أن يعلم بأركان الجريمة أي بأنه موظف عام وبأن العمل المطلوب منه تنفيده يدخل في اختصاصه، وأن مايقدم له هو مقابل للعمل المطلوب منه آداؤه (أي أن يكون عالما بأنه يتاجر بوظيفته)وأن تتجه ارادة الجاني إلى الفعل المجرم والنتيجة الغير مشروعة أو قبولها كما يجب أن يعاصر القصد الجزائي العام الركن المادي لجريمة الرشوة.

تعريف الرشوة الرشوة هي مال يُعطى لشخص ذي سُلطة أو مركز مسؤول، لكي يوافق على أمرٍ غير قانوني أو غير شرعي، ولكُلٍّ من الراشي أي الذي يدفع المال، وكذلك المُرتشي عقوبة في الدين وفي القانون، وكذلك إن كان هُناك وسيط بينهما ويُسمى الرائش. والرشوة أحد أهم أشكال الفساد وقد لا تكون بالمال بل بتقديم خدمة مقابل خدمة ليست من حق الطرف الأول، وقد تكون بين أفراد أو جماعات مُتمثلة بمُؤسسات، كأن تدفع مُؤسسة مالاً لمُؤسسة أُخرى للحصول على حق ليس لها بالأصل، أو للحصول على معلومات تضُر الطرف الآخر. وقد يعطي الشخص الرشوة لغيره بسبب الجهل بالعقوبة التي قد يتعرَّض لها، وقد يكون على العكس أي أنه يرشي المسؤول أو المُوظف لأنه وجد فيه حُباً للاستغلال وأراد هو الآخر استغلاله لتمرير مصلحة ما. حُكم الرشوة في الإسلام وفي الإسلام فإن الحديث الشريف أوضح عقوبة كُلاً من الراشي والرائش والمُرتشي، فقد لعنهم رسول الله في الحديث الشريف وهذه اللعنة توجب حُرمة الرشوة وتُعتبر الشروة أيضاً من الكبائر، وعقوبتهم ستكون في الدُنيا والآخرة، والقانون في جميع الدُول يعاقب هؤلاء الأشخاص بالسجن، وتسعى جميع الدُول لمحاربة الرشوة لما لها من أضرار تعود على الفرد والمُجتمع، ففيها انتقاص لحقوق المواطنين وقد يشعُر بعضهم بالظُلم، فمن يملك مالاً يستطيع أن يُحقق هدفه عن طريق دفعه للمسؤول الذي سيلبّي طلبه، بينما من لا يمتلك المال ينتظر طويلاً وقد لا يستطيع تحقيق الهدف نفسه، ويتضح من هذا أنّ الرشوة تُقلل من العدالة، وتُميت الضمائر، كما أنّها تُقلل من الأمن بين المواطنين لأنها من مظاهر الفساد التي تهدم قِيم المجتمع بأكمله. وقد كانت الرشوة تقتصر على القُضاة والحُكام في السابق بينما في أيامنا هذه فإنّ هُناك العديد من الموظفين البسيطين والمسؤولين الكبار يقبلون تلقي الرشوة مُقابل مساعدة شخصٍ ما. وهُناك حالات يُجبَر فيها الراشي على دفع الرشوة وفي حال الإكراه تسقط العقوبة عنه، وهذا في كلا الجانبين الشرعي والقانوني، لأنه مُكره وخاصة إن كان هُناك تهديد على حياته واضطراره لدفع الرشوة. والرشوة حتى لو كان فيها تحقيق لأمرٍ فيه منفعة وليس ضرراً فإن هذا لا يُسقط عقوبتها، لأنّ إحقاق الحق لا يحتاج لتلقي مال إضافي بل هو واجب إنساني ينبُع من نفس كُل إنسان شريف ويخاف الله، ومثال ذلك رشوة القاضي ليحكُم على شخصٍ ما بالبراءة فقد يكون المُتهم بريئاً فعلاً ومن واجب القاضي التحلي بالعدالة دون الحاجة لأن يتلقى رشوة مقابل هذا الأمر. الرشوة في القانون ينقسم الرأي القانوني إلى قسمين قسم يرى أنّ كُل من الراشي والمُرتشي يجب أن يأخذا العقوبة نفسها باعتبارهما تشاركا الجريمة نفسها، والبعض الآخر يرى أنّ لكُل منهما عقوبة مُنفصلة فلا يتم الحُكم على المُرتشي بالحُكم نفسه الذي يقع على الراشي فقد يكون الراشي غير مُدرك بخطورة نتائج الرشوة.

الرشوة اقتحمت الرشوة الكثير من الجوانب في المجتمعات المختلفة حتى لم يكد يسلم منها مجال من المجالات، ولا سيّما فيما يُسمّى دول العالم الثالث، فهناك الرشوة في الحكم، فيقضي الحاكم لمن لا يستحق، أو يمنع من يستحق، أو يقدم مَن ليس من حقه أن يتقدّم، ويؤخّر الجديرين بالتقدير والتقديم، أو يحابي في حكمه لقرابة أو جاه أو رشوة أكلها سُحتًا، كما تكون الرشوة في تنفيذ الحكم أيضًا. الرشوة تكون في الوظائف أيضًا؛ حيث يقوم الشخص بدفع الرشوة للمسؤول عن الوظيفة فيعينه رغم استحقاق غيره، وهذا بالإضافة إلى أنّه أكلٌ للحرام والسحت، فإنّه كذلك خيانة للأمانة؛ حيث ينبغي أن يوظّف الأصلح والأكفأ. الرشوة في اللغة من بعض التعاريف التي قيلت في المحاباة والجعل؛ فقد قال صاحب القاموس بأن: الرشوة مثلثة الجعل، ورشاه أعطاه، وارتشى أخذها، واسترشى طلبها، والفصيل طلب الرضاع، والرشاء ككساء: الحبل. وزاد صاحب اللسان عليها وقال: هي مأخوذة من رشا الفرخ؛ إذا مدّ رأسه إلى أمه لتزقه. كما أنّ ابن الأثير قال: الرشوة الوصلة إلى الحاجة بالمصانعة، وأصله من الرشاء الذي يتوصل به إلى الماء؛ فالراشي الذي يعطي من يعينه على الباطل، والمرتشي الآخذ، والرائش الذي يسعى بينهما يستزيد لهذا ويستنقص لهذا من الألفاظ المرادفة للرشوة: السحت والبرطيل: والسحت لغة: الحرام، أو ما خبث من المكاسب فلزم عنه العار؛ سمي بذلك لأنه يسحت البركة ويذهبها، يقال: (سحته الله) أي أهلكه، ويقال: (أسحته)، وقرئ بهما في قوله تعالى: {فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ} أي يستأصلكم ويهلككم، واستدلّ له بقول الفرزدق: وعض زمان يا ابن فروان لم يدعمن المال إلا مستحثاً أو مجلف. الفرق بين الرشوة والهدية ممّا لا شكّ فيه أن الرشوة والهدية قد يتشابهان في الصورة لكن الفرق الرئيس بينهما هو في القصد والباعث على كلٍّ منهما؛ حيث قصد الْمُهْدِي في الأساس استجلاب المودة والمعرفة والإحسان. ذهب كثيرٌ من أهل العلم إلى أنّ أخذ الحاكم للهدية هو نوع من الرشوة؛ لما رواه الشيخان عن أبي حميد الساعدي قال: (استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأزد يقال له ابن اللتيبة على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم، وهذا أُهدي لي. قال: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: "ما بال عامل أبعثه فيقول: هذا لكم وهذا أُهدي لي! أفلا قعد في بيت أبيه – أوفي بيت أمه – حتى ينظر أُيهدى إليه أم لا؟ والذي نفس محمد بيده لا ينال أحد منكم شيئًا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه، بعير له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر" ثم رفع يديه حتى رأينا عُفرتي إبطيه، ثم قال: "اللهم هل بلغت؟" مرتين). قال النووي رحمه الله: في الحديث بيان أنّ هدايا العمال حرام وغلول؛ لأنّه كان في ولايته وأمانته، وقد بيّن صلى الله عليه وسلم في نفس الحديث السبب في تحريم الهدية عليه وأنّها بسبب الولاية بخلاف الهدية لغير العامل فإنّها مستحبة، وأمّا ما يقبضه العامل ونحوه باسم الهدية فإنه يردّه إلى مُهْديه، فإن تعذّر فإلى بيت المال. وقال ابن بطال: هدايا العمال تُجعل في بيت المال، وإنّ العامل لا يملكها إلّا إذا طلبها له الإمام.

حكم الإسلام في الرشوة

عن أبى حميد الساعدى رضي الله عنه قال : استعمل النبي صلي الله علية وسلم رجلا من الأزد يقال له : "ابن اللتبية " على الصدقة ، فلما قدم قال : هذا لكم ، وهذا أهدى إلى !!.
قال : فقام رسول الله صلي الله علية وسلم ،فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال :
"أما بعد :
فإني أستعمل الرجل منكم علي العمل مما ولاني الله فيأتي فيقول : هذا لكم وهذا هدية أهديت لي ، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقا ؟ والله لا يأخذ أحد منكم شيئا بغير حقه إلا لقي الله بحمله يوم القيامة فلا أعرفن أحدكم منكم لقي الله يحمل بعيرا له رغاء ، أو بقرة لها خوار ، أو شاة تيعر "، ثم رفع يديه حتى رؤى بياض إبطيه يقول : "اللهم هل بلغت ".

أخي المسام : في هذه " الوصية " يحذر النبي الكريم صلي الله عليه وسلم من استغلال المناصب ، وينكح جماح كل من ولاه الله تعالى منصبا عن أموال الناس وهداياهم ، ويبين فيها : أن من استعمل علي عمل فمد يده لهدايا الناس أو أموالهم فهو آثم ومرتش

تعريف الرشوة :
الرشوة : ـ بفتح الراء وكسرها ـ هي ما يمده المحتاج من مصانعة ومال ونحوه لنيل حاجة متعذرة .
"أو هي :ما يدفعه ظالم لأخذ حق ليس له ، أو لتفويت حق علي صاحبه انتقاما منه ومكرا به ، وللحصول علي مناصب ليس جديرا به ، أو عمل ليس أهلا له .
والرشوة : مأخوذة من الرشا أو الرشاء وهو " الدلو " أو "الحبل الذي يدلى ف البئر من أجل الحصول علي الباقية .
فهو يمد للحاكم حبال مودته الكاذبة من أجل أن ينال ما يريد منه بأيسر طريق ، وأخس وسيلة غير مبال بما يترتب علي ذلك من العواقب المهلكة والجرائم المزرية بالأخلاق والقيم " .
وهى : ضرب من ضروب أكل أموال الناس بالباطل ، وهى ماحقة للبركة ومزيلة لها .
والراشي: المعطي للرشوة .
والمرتشي : الآخذ لها .
والرائش : الوسيط بينهما .

تحريم الرشوة بالكتاب والسنة : 
جاءت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية تحذر من الرشوة ، ومن أكل أموال الناس بالباطل :

قال تعالى : " ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحاكم لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون ".
أي : لا تدلوا بأموالكم إلى الحاكم ، أي لا تصانعوهم بها ولا ترشوهم ليقتطعوا لكم حقا لغيركم وأنتم تعلمون أنه لا يحل لكم . 
وعن أبى أمامة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : "من شفع لأخيه بشفاعة فأهدى له عليها هدية فقد أتى بابا عظيما من أبواب الربا ". 
وعن أبى هريرة رضي الله عنه قال : " لعن رسول الله صلي الله عليه وسلم الراشي والمرتشي في الحكم " .؟ رواه الترمذى وحسنه وابن حبان في "صحيحة " والحاكم ، وزادوا : "والرائش " . 
وعن عبد اله بن عمرو ، قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : " لعنه الله علي الراشي والمرتشي ". 
ومن الآثار قال ابن مسعود رضي الله عنه : " الرشوة في الحكم كفر ، وهي بين لناس سحت ".
وعنه رضي الله عنه ، قال : " السحت أن تطلب لأخيك الحاجة فتقضي فيهدى إليك هدية فتقبلها منه " .

أنواعها :
الرشوة ثلاثة أنواع :
النوع الأول :  ما يتوصل به إلى أخذ شيء بغير حق كالتي  يدفعها الجاهل الآثم ن لحاكم أو مسئول من أجل الحصول علي إعفاء من شيء وجب عليه أداؤه ، أو للحصول علي شيء قبل أوانه ، أو من أجل ترويج سلعة فاسدة ، أو من أجل أن يحظى بصيد ثمين في مزاد علني أو مناقصة عالمية ، وما أشبه ذلك من الأمور التي يترتب عليها أكل أموال الناس بالباطل . وهذا النوع هو من أشد الأنواع جرما وأعظمها إثما وأكبرها خطرا على المجتمع .. قال الله تعالى : " ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحاكم لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون " .

النوع الثاني : ما يتوصل به إلى تفويت حق على صاحبه  انتقاما منه بدافع من الغيرة والحسد وما إلى ذلك . وهو قريب من النوع الأول بل هو داخل فيه . وهل هناك شيء أكبر جرما من ظلم الأخ لأخيه بمثل هذه الوسيلة المخزية المردية ؟! ليس في العالمين أخبث سريرة ، وأسوأ سيرة من ذلكم المحتال على الحاكم ، لحماهم على تضييع الأمانة ، وتفويت الحقوق على مستحقيها .

النوع الثالث : ما يتوصل به إلى منصب أو عمل وهو حرام  بإجماع الأمة ....وتشتد الحرمة إذا كان الراشي ليس جديرا بهذا المنصب ، ولا أهلا لذاك العمل " .

متى تجوز الرشوة:
أجاز العلماء دفع الرشوة من أجل رفع ظلم أو رد حق ، شريطة أن يتيقن من أنه لا يستطيع التوصل إلى دف هذا الظلم أو ر هذا الحق إلا إذا دفع رشوة لمن بيده القدرة علي ذلك . والإثم هنا يقع على الآخذ دون المعطي . وذلك لأن المشقة تجلب التيسير .. والله تعالى يقول : " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ". ورفع الحرج له أصل في أصل في الشريعة ، شريطة أن تقدر الضرورة بقدرها . وقال تعالى : " فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم " . فهذه الآية عامة تشمل بعمومها كل مضطر معرض للخطر المحقق ،والضرر المحدق . ولا يجوز أن تتسع دائرة الإباحة في هذا الأمر لتشمل كل اضطرار فهناك ضر خفيف لا يقاوم إثم الرشوة وما يترتب عليها من غضب وعقاب ! وبالجملة : فالإنسان أبصر بنفسه ، وهو المسئول وحده عن تصرفه بين يدي الله يوم القيامة ، هل كان معذورا أم لا ؟ والسعيد من أعد للسؤال جوابا . فإذا تعرض لدفع رشوة وهو كاره ، ومضطر فلا جناح عليه عند جمهور العلماء ، ولكن عليه أن يتبع السيئة بالحسنة . أما المرتشي فإن عليه من الوزر ما تقشعر منه القلوب والأبدان . إن ذنب الرشوة لا يقل عن الربا لما فيها من استغلال القوى للضعيف ، والحاكم للمحكوم ، ولما يترتب عليها من ضياع للحقوق وإفساد للذمم وإغطاط الأخلاق .

وقال الحافظ الذهبي : ـرحمه الله تعالى ـ: "قال العلماء .... وإنما تلحق اللعنة الراشي إذا قصد بها أذية مسلم ، أو ينال بها ما لا يستحق . أما إذا أعطى ليتوصل إلى حق له ويدفع عن نفسه ظلما فإنه غير داخل في اللعنة . وأما الحاكم فالرشوة عليه حرام أبطل بها حقا أو دفع بها ظلما . وقد روى من حديث آخر : " إن اللعنة على الرائش " أيضا وهو الساعي بينهما ، وهما تابع للراشي في قصده ، إن كان خيرا لم تلحقه اللعنة وإلا لحقته " وبالجملة : فالرشوة من أجل دفع الضرر ورد الحق الضائع جائزة شرعا وعرفا بشرطين .
الأول : تيقنه من استحالة نيل حقوقه إلا بها (وتكون بقدر الضرورة فقط ) .
والثاني : ألا يستحل ذلك ، بل يستنكره في نفسه على الأقل ، ويستغفر الله تعالى .

أخي المسلم : لقد سمعت عن عقوبة الراشي والمرتشي والرائش في الآخرة وهي اللعن والطرد من رحمة الله . وسمعت شيئا عن مفاسدها في المجتمع ، أفلا يكون في ذلك ، راعا عنها لكل مؤمن يخشى الله ويخاف عقابه ، ولكل مخلص يحافظ علي دينه ومجتمعه ؟!. كيف يرضي مسلم أن يعرض نفسه لغضب الله وعقوبته ؟ بل كيف يرضي أن يخون دينه وأمانته ؟. هل يليق بمؤمن يعرف الله ويوقن باليوم الآخر أن يسعى في فساد المجتمع وإبادته ؟!.

إن الرشوة : " تطمس الحق ، وتحجب العدل ، وتكون سببا في ضياع الحقوق وإعطاء من لا يستحق ما ليس له ، كما تساعد على إخفاء الجرائم ، وتستر القبائح ، وتقلب الوقائع . وقد تقدم غير الكفء على الكفء ، وترفع الخامل ،وتخفض المجد ، وتنفع الغنى القادر وتضر الفقير المحتاج وقد تجلب لبلاد المسلمين المواد الفاسدة والمخدرة والسموم والمحرمات وتتيح التجسس ويحل الغش محل الإخلاص ، والخيانة محل الأمانة ... وما ترتب على ذلك من المفاسد والآثار البالغة السوء على الأفراد والجماعات والأمة الإسلامية ، ولهذا كانت الرشوة في نظر أهل الدنيا جريمة يعاقب عليها القانون ، وخيانة وطنية ، وهي في نظر الشرع إثم عظيم ، وقد تكون وسيلة للكفرـوالعياذ بالله ـ إذا أحلت حراما وحرمت حلالا وهذا ما ينطق به الواقع المؤلم !!!. فما فشت الرشوة في أمة إلا وحل فيها الغش محل النصح ، والخيانة محل الأمانة ، والخوف محل الأمن ، والظلم محل العدل . فالرشوة مهدرة للحقوق ،معطلة للمصالح ، مجرئة للظلمة والمفسدين . ما فشت في مجتمع إلا وآنت بهلاكه". والخلاصة :

1ـ التحذير من الرشوة والإعانة عليها .قال تعالى : "ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ". 
2ـ الرشوة سبب مباشر لعدم إجابة الدعاء ، لأن الحرام يوصد أبواب السماء أمام الداعي !! وفى "صحيح مسلم "حين ذكر النبي صلي الله علية وسلم " الرجل يطيل السفر أشعت أغير يمد يديه إلى السماء يا رب ، وطعمه من حرام ، ومشربه من حرام ، وملبسة من حرام ، وغذى بالحرام فأنى يستجاب لذلك ؟!". 
3ـ الرشوة سبب مباشر لدخول النار . ففي " صحيح البخاري ": أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال : "إن رجالا يتخوضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة ". وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : "إن الله عز وجل قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم ، وإن الله عز وجل يعطى الدنيا من يجب ومن لا يجب ، ولا يعطى الدين إ من أجب ، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه ، والذي نفسي بيده لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه ، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه ، ولا يكسب مالا من حرام فينفق منه فيبارك فيه ، ولا يتصدق به فيقبل منه ، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار . إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ،ولكن يمحو السيئ بالحسن . إن الخبيث لا يمحو الخبيث ". 
4 ـ الرائش يعين المرتشي على الظلم ، والله تعالى يقول : " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون ". وقال مكحول الدمشقي ـ رحمه الله تعالى ـ: "ينادى مناد يوم القيامة : أين الظلمة وأعوانهم ؟ فما يبقى أحد مد لهم حبرا أو حبر لهم دواة أو برى لهم قلما فما فوق ذلك إلا حضر معهم فيجمعون في تابوت من نار فيلقون في جهنم " . 
5 ـ الرشوة تؤدى إلى اختلال ميزان العدالة في المجتمع ، وإحداث خلل فيه ، قد يؤدى إلى ضياعه وانهياره . قال الشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-:" إن الله تعالى ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة ، ويخذل الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة!". 
6- الهدايا التي تقدم للموظفين من الرعية ، تعد رشوة مقنعة ، لذا أنكر النبي صلي الله عليه وسلم على " ابن اللتبية " قائلا : " أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقا ؟ والله لا يأخذ أحد منكم شيئا بغير حق إلا لقي الله يحمله يوم القيامة." الحديث 
7ـ وجوب محاسبة الموظفين والقائمين على أعمال داخل الدولة أو خارجها من جهة ولاة الأمور إذا حدث تجاوز كما فعل النبي صلي الله عليه وسلم مع " ابن اللتبية "

ضمائر الأبرار :
سطر الأنبياء والصالحون مواقف مشهودة في يقظة الضمير ، ونظافة السيد والاستعلاء على الشهوات والشبهات :

فها هو " سليمان علية السلام " يرفض الرشوة في إباء واستعلاء ، فعندما قالت "ملكة سبأ ": "وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون ". ماذا فعل "سليمان علية السلام "؟. قال الله تعالى : "فلما جاء سليمان قال آتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون ". صمود مبارك أمام الإغراء . 
وعن سليمان بن يسار .أن النبي صلي الله عليه وسلم كان يبعث ابن رواحه إلى خيبر فيخرص بينه وبين يهود ، فجمعوا حليا من نسائهم ، فقالوا : هذا لك وخفف عنا !!.
قال : يا معشر يهود ! والله إنكم لمن أبغض خلق الله إلى ، وما ذاك بحاملي على أن أحيف عليكم ، والرشوة سحت .
فقالوا : بهذا قامت السماوات والأرض .
فيا أخا الإسلام : كن حارسا على دينك وضميرك ، واحرص على أخرتك ومصيرك ، " ولا يستخفنك الذين لا يوقنون ". " اللهم احرسنا بعينك التي لا تنام ، واكنفنا بركنك الذي لا يرام ، فلا نهلك وأنت رجاؤنا ".

الرِّشوة

أسبابها وعلاجها

 

الحمد لله الذي أكمل لنا الدِّين، وأتم علينا النعمة، ورضي لنا الإسلام دينًا، وجعلنا مِن خير أمة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتؤمن بالله العزيز الحكيم، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ الذي أرسله ربه هاديًا ومبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله تعالى بإذنه وسراجًا منيرًا، أما بعد:

فإن الرِّشوة لها آثارٌ سيئة على الفرد والمجتمع؛ مِن أجل ذلك أحببت أن أذكر نفسي وإخواني الكرام بخطورة الرِّشوة، مع ذكر وسائل علاجها.

 

معنى الرِّشوة:

هي كل ما يعطى لإبطال حق، أو لإحقاق باطل؛ (التعريفات لعبدالقادر الجرجاني صـ 148).

وهي مِن صفات أهل الضلال وأتباع الشيطان.

لماذا نتحدث عن الرِّشوة؟

يقول الشيخ عبدالعزيز السلمان:

إن الرِّشوة داء من أخطر الأدواء فتكًا بالمجتمعات؛ ذلك لأنها لا تَشيع في مجتمع إلا تداعت أركانه، وهبط مستواه الخُلقي إلى الحضيض، وسيطرت فيه المادة الجشعة على الحكام والمحكومين، فيصبح صاحب الحق في قلق؛ لأنه لا يمكنه الحصول على حقه إلا إذا قدم جُعلًا للحصول عليه، ولا ترى صاحب ظلامة يطمع في رفع ظلامته عنه إلا أن يرشو مَن له قدرة على رفعها، وقد يبلغ الأمر بالمرتشي إلى أن يجادل الراشي في مقدار الرِّشوة، وربما كان ذلك جهرًا، بلا حياء ولا خجل، ولا تسأل عما ينتج عنها من الأضرار التي لا تعد ولا تحصى؛ مِن ضياع الكرامة، وهضم الحقوق، وقبر النبوغ، وتلاشي الجد في العمل، واضمحلال الغيرة على أداء الواجب، وترك العاملين، كل ذلك يذهب، ولا تجد له أثرًا، ويحل مكانه الخمول والضعف، والغش والخيانة، وتصاب مصالح الأمة بالشلل، وعقول النابغين بالعقم، ومواهب المفكرين بالجمود، وعزائم المجدين وهمهم بالخَوَر والفتور، وأي خير يرجى من يوم يكون مقياس الكفاءة فيهم ما يتقرب المرؤوس به من قرابين، وأي ثمرة من عمل لا يوصل إليه إلا بالرِّشوة والمطامع؛ (موارد الظمآن لعبدالعزيز السلمان جـ 3 صـ 577: صـ 578).

أسباب الرِّشوة:

يمكن أن نجمل أسباب الرِّشوة ودوافعها فيما يلي:

أولًا: ضعف الشعور الديني لدى الراشي والمرتشي:

إن الذي يُقبِل على هذه الجريمة لو فكر لحظة واحدة أنه مسلم قد رضي بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبسيدنا محمد نبيًّا، لَمَا أخذ الرِّشوة، ألم يتدبر قول الله تعالى: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 188].

ألم يسمع ولو مرة واحدة ما رواه أبو داود عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي؛ (حديث صحيح) (صحيح أبي داود للألباني حديث 3055).

روى أبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كل المسلم على المسلم حرامٌ؛ ماله وعِرضه ودمه، حسب امرئٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم))؛ (حديث صحيح) (صحيح أبي داود للألباني حديث 4285).

(جريمة الرِّشوة لمحمد بن عبدالرحمن الجنيدل صـ 17).

ثانيًا: انخفاض مستوى المعيشة:

إذا رأى الشخص المنحرف نفسه في وظيفة ذات دخلٍ صغير وأمامه أناس لهم دخلٌ كبير، أو رأى أصحاب المشاريع المختلفة كل يوم، ثم قارن حياتهم المترفة بحياته - سوَّلت له نفسه أن يرتكب جريمة الرِّشوة؛ ليعوض هذا النقص المادي الذي عنده، مع أنه شيء طبيعي أن يكون الناس بين فقير أو غني أو متوسط، ولكن هذا الشخص المنحرف أقنع نفسه بأن الرِّشوة خير وسيلة للثراء السريع، فيشتري سيارة فاخرة، أو يبني منزلًا، أو يتزوج من بنات الأثرياء، ولكن هذا المسكين ينسى أن الكسب الحرام مهما طال عمره فهو ممحوق البركة، وإلى زوال، وهو من أهم أسباب غضب الله عليه في الدنيا والآخرة؛ (جريمة الرِّشوة لمحمد بن عبدالرحمن الجنيدل صـ 16).

ثالثًا: الجشع والأنانية وضعف الشعور الاجتماعي:

إن المرتشي أناني، ومحب لنفسه فقط، وليس لديه أي انتماء إلى مجتمعه الذي يعيش فيه؛ ولذا يقبل الرِّشوة دون أن يفكر في مصير إخوانه الذين يعيشون ويتعاملون معه صباح مساء، ويعلم أن هذه الأموال التي أخذها بغير حق كانت سببًا في ضياع أموال الدولة، وهضم حقوق كثير من الناس.

لقد تناسى هذا المنحرف ما رواه الشيخان عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((المسلم أخو المسلم، لا يظلِمه ولا يُسلِمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلمٍ كربةً فرج الله عنه كربةً من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة))؛ (البخاري حديث 2442 / مسلم حديث 2580).

روى الشيخان عن النعمان بن بشيرٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضوًا تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى))؛ (البخاري حديث 6011 / مسلم حديث 2586).

الآثار المدمرة للرشوة:

إن للرشوة آثارًا خطيرة على الفرد والمجتمع، ويمكن أن نجمل هذه الآثار فيما يلي:

1- الرِّشوة تدمر الموارد المالية للدولة:

كثيرًا ما يقوم أحد الناس بتقديم الرِّشوة للحصول من الدولة على ترخيص بعمل مشروع ما، وغالبًا لا يكون لهذا المشروع نفع حقيقي للمجتمع، وإنما هو فقط يجلب الربح الوفير لأصحابه، والحصول على ترخيص لمثل هذه المشروعات التي لا فائدة منها للمجتمع يعني تدمير موارد الدولة المالية التي تتمثل في توصيل المرافق والخدمات الأساسية لهذا المشروع، مثل تمهيد الطرق والكهرباء والمياه وشتى الخدمات التي انقضت فيما لا يحقق نفعًا حقيقيًّا يعود بالخير على المجتمع؛ (جريمة الرِّشوة لمحمد بن عبدالرحمن الجنيدل صـ 11).

2- الرِّشوة تدمر حياة أفراد المجتمع:

كثيرًا ما يكون من آثار جريمة الرِّشوة تدمير حياة أفراد المجتمع، فعندما تحدث الرِّشوة في إنتاج دواء أو غذاء فإن الأثر يتجه مباشرة إلى تدمير صحة أفراد المجتمع، وقد يتعدى هذا الأثر إلى موت بعضهم، ويظهر الأثر المدمر في المباني الكبيرة برشوة مهندسٍ مشرفٍ أو مشرفٍ عليها من قبل الدولة أو أي شخص آخر، فتسقط على من فيها من السكان نتيجة مخالفة هذه المباني لقواعد البناء السليم، وهذا مُشاهَد أمام أعيننا، وكم من منتجات مستوردة وهي فاسدة دخلت إلى الأسواق نتيجة الرِّشوة!، فكانت وبالًا على حياة جميع أفراد المجتمع؛ (جريمة الرِّشوة لمحمد بن عبدالرحمن الجنيدل صـ 12).

3- الرِّشوة تدمر أخلاق أفراد المجتمع:

إن انتشار جريمة الرِّشوة في أي مجتمع كفيل أن يدمر أخلاق أفراده، فينتشر الإهمال واللامبالاة والتسيُّب وضعف الولاء والانتماء والإحباط في العمل، وكل ذلك يعتبر عقبة أمام إنجاز التنمية وما تتطلبه من جهد بشري مكثف وأمين؛ (جريمة الرِّشوة لمحمد بن عبدالرحمن الجنيدل صـ 13).

4- الرِّشوة تؤدي إلى ضياع حقوق الدولة:

مِن المعلوم أن الدولة تعين بعض الموظفين الذين يقومون بجمع الضرائب والحقوق المالية للدولة لدى المواطنين، فإذا وصلت الرِّشوة إلى أحد هؤلاء الموظفين وقبِلها، فإن هذا يترتب عليه مجاملة صاحب الرِّشوة بالباطل، ويؤدي هذا إلى ضياع أموال الدولة، وهذا مشاهد أمام أعيننا؛ (جريمة الرِّشوة لمحمد بن عبدالرحمن الجنيدل صـ 12).

5- الرِّشوة تؤدي إلى تعيين موظفين غير صالحين:

إن بذل الرِّشوة للحصول على وظائف ومناصب يؤدي إلى إسنادها إلى موظفين ليسوا أهلًا لها، وهذه خيانة لله ولرسوله وللمسلمين، ويظهر هذا جليًّا عندما تعلن شركة عن مسابقة بشروط معينة، فيتقدم لها أصحاب الكفاءات وغيرهم، وعندما تظهر النتيجة يصاب المجتهدون بخيبة الأمل؛ حيث يجدون أن من هم أقل كفاءة منهم حصلوا على هذه الوظائف بالرِّشوة، ومن المعلوم أن فاقد الشيء لا يعطيه؛ فهل ننتظر خيرًا ممن دفع رشوة للحصول على وظيفة أو عمل ليس من حقه؟!

حُكم الرِّشوة:

الرِّشوة حرام، سواء كانت للحاكم أو للقاضي أو للعامل أو أي شخص يمارس عملًا يجب عليه أداؤه بدون أخذ مال من أحد، وحرمتها كما تكون على الآخذ تكون أيضًا على المعطي والوسيط؛ وذلك بدليل القرآن والسنة وإجماع العلماء.

أولًا: القرآن الكريم:

يقول الله تعالى: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 188].

قال الذهبي:

قوله تعالى: ﴿ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ ﴾ [البقرة: 188]؛ أي: لا تصانعوهم بها ولا ترشوهم ليقطعوا لكم حقًّا لغيركم؛ (الكبائر للذهبي بتحقيق عبدالمحسن البزاز صـ 143).

ويقول سبحانه: ﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ﴾ [المائدة: 42].

قال عبدالله بن مسعود:

السُّحْت: الرِّشوة؛ (جامع البيان لابن جرير الطبري جـ 6 صـ 239).

قال مسروق:

سألت عبدالله عن السحت فقال: الرجل يطلب الحاجة للرجل فيقضيها، فيُهدي إليه فيقبلها؛ (جامع البيان لابن جرير الطبري جـ 6 صـ 239).

قال الحكم بن عبدالله: قال لي أنس بن مالك: إذا انقلبت إلى أبيك فقل له: إياك والرِّشوة؛ فإنها سُحت، وكان أبوه على شرط المدينة؛ (تفسير القرآن العظيم لابن كثير جـ 10 صـ 406).

ويقول سبحانه: ﴿ وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ * فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ﴾ [النمل: 35، 36].

قال ابن كثير: قوله تعالى: ﴿ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ ﴾ [النمل: 36]؛ أي: أتصانعونني بمال لأترككم على شِرككم ومُلككم؟! ﴿ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ ﴾ [النمل: 36]؛ أي: الذي أعطاني الله مِن المُلك والمال والجنود خير مما أنتم فيه، ﴿ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ﴾ [النمل: 36]؛ أي: أنتم الذين تنقادون للهدايا والتحف، وأما أنا فلا أقبل منكم إلا الإسلام أو السيف؛ (تفسير القرآن العظيم لابن كثير جـ 10 صـ 406).

ثانيًا: السنَّة:

روى أبو داود عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي؛ (حديث صحيح) (صحيح أبي داود للألباني حديث 3055).

اللعن: هو الطرد من رحمة الله التي وسعت كل شيءٍ، ولا يكون إلا في شيءٍ حرام.

ثالثًا: الإجماع:

أجمع العلماء على تحريم الرِّشوة؛ (المغني لابن قدامة بتحقيق التركي جـ 14 صـ 59).

أركان جريمة الرِّشوة:

إن لجريمة الرِّشوة ثلاثة أركان كما يلي:

1- مرتشٍ: وهو الشخص الذي يتقاضى من غيره مالًا أو منفعة ليقوم له بقضاء مصلحة، يجب عليه أداؤها، أو يقوم له بمصلحة غير شرعية.

2- راشٍ: وهو الشخص الذي يبذل المال أو المنفعة ليحصل شيئًا ليس من حقه، أو يمنع الآخرين من الحصول على حقوقهم الشرعية.

3- رشوة: هي المال أو المنفعة التي تُبذَل بقصد حمل المرتشي على قضاء مصلحة غير مشروعة؛ (جريمة الرِّشوة للدكتور عبدالله الطريقي صـ 52).

طرق إثبات الرِّشوة: تعتبر الرِّشوة جريمة مالية؛ ولذا يمكن إثباتها بما تثبت به الأموال كما يلي:

1- شهادة الثقات من المسلمين.

2- شهادة المتهم على نفسه.

3- القرينة القاطعة.

أولًا: شهادة الثقات من المسلمين:

وتكون بثلاث وسائل:

1- شهادة رجُلين؛ بدليل قوله تعالى: ﴿ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ﴾ [البقرة: 282].

2- شهادة رجُل وامرأتين؛ بدليل قوله تعالى: ﴿ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ ﴾ [البقرة: 282].

3- شاهد ويمين المدعي؛ وذلك بدليل ما يلي:

روى ابن ماجه عن ابن عباسٍ قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشاهد واليمين؛ (حديث صحيح) (صحيح ابن ماجه للألباني حديث 1920).

ثانيًا: إقرار المتهم على نفسه:

إن اعتراف المتهم العاقل البالغ المختار على نفسه بارتكاب جريمة الرِّشوة من أقوى الأدلة على ثبوتها.

ثالثًا: القرينة القاطعة:

تثبت جريمة الرِّشوة بالقرينة القاطعة التي جاء الشرع باعتبارها في قوله تعالى حكاية عن إخوة يوسف: ﴿ قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ ﴾ [يوسف: 75]، فجعلوا وجود صُوَاع الملك في حوزة أحدهم قرينة قاطعة على إثبات جريمة السرقة، ومِن القرائن القاطعة: أن يدفع المرتشي مقدارًا معينًا من النقود، تعرف أرقامها أو يوضع عليها علامات مميزة، وبعد الدفع مباشرة يلقى القبض عليه، فتوجد معه  هذه النقود المميزة، ولا تكون القرينة هنا قاطعة إلا إذا علمنا يقينًا عدم وجود عداوة أو علاقات مالية سابقة أو لاحقة بين الدافع والآخذ، وعدم كون الآخذ للمال وسيطًا بين الدافع وشخص آخر في علاقة مالية غير رشوة؛ كأن يكون مفوضًا باستلام المال نيابة عن الشخص الآخر، فإذا تحقق عدم وجود العلاقات المالية، فإننا يمكن أن نحكم يقينًا بثبوت جريمة الرِّشوة بهذه القرينة؛ (جريمة الرِّشوة لعبدالله الطريقي صـ 111: صـ 112).

حكم هدايا الموظفين والقضاة أثناء عملهم:

يحرُمُ على العمال والموظفين والقضاة قبول هدايا مقابل عملهم أثناء فترة أعمالهم؛ وذلك بدليل ما يلي:

روى الشيخان عن أبي حميدٍ الساعدي: أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل ابن الأُتْبيَّة على صدقات بني سليمٍ، فلما جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاسبه، قال: هذا الذي لكم، وهذه هديةٌ أهديت لي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فهلا جلستَ في بيت أبيك وبيت أمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقًا؟!))، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطب الناس وحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ((أما بعد، فإني أستعمل رجالًا منكم على أمورٍ مما ولاني الله، فيأتي أحدكم فيقول: هذا لكم، وهذه هديةٌ أهديت لي، فهلا جلس في بيت أبيه وبيت أمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقًا؟! فوالله لا يأخذ أحدكم منها شيئًا - قال هشامٌ: بغير حقه - إلا جاء اللهَ يحمِلُه يوم القيامة، ألا فلأعرفن ما جاء اللهَ رجلٌ ببعيرٍ له رغاءٌ أو ببقرةٍ لها خوارٌ أو شاةٍ تَيْعر))، ثم رفع يديه حتى رأيت بياض إِبْطيه: ((ألا هل بلغتُ؟!))؛ (البخاري حديث 7197 / مسلم حديث 1832).

فائدة: قال ابن بطال: فيه أن هدايا العمال تجعل في بيت المال، وأن العامل لا يملكها إلا إن طلبها له الإمام، وفيه كراهة قبول هدية طالب العناية؛ (فتح الباري لابن حجر العسقلاني جـ 5 صـ 262).

وقال الخطابي: في هذا الحديث بيان أن هدايا العمال سُحت، وأنه ليس سبيلها سبيل سائر الهدايا المباحات، وإنما يهدي إليه للمحاباة، وليخفف عن المهدي، ويسوغ له ترك بعض الواجبات عليه، وهو خيانة منه، وبخس للحق الواجب عليه استيفاؤه لأهله؛ (معالم السنن للخطابي جـ 3 صـ 8).

روى أبو داود عن عبدالله بن بريدة عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن استعملناه على عملٍ فرزقناه رزقًا، فما أخذ بعد ذلك فهو غُلولٌ))؛ (حديث صحيح) (صحيح أبي داود حديث 2055).

فائدة: قال الشوكاني: هذا الحديث فيه دليلٌ على أنه لا يحل للعامل زيادةٌ على ما فرض له مَن استعمله، وأن ما أخذه بعد ذلك فهو مِن الغُلول "أي سرقة"؛ (نيل الأوطار للشوكاني جـ 4 كتاب الزكاة صـ 219).

قال الإمام أبو القاسم البغوي: روي عن علي بن أبي طالب: أنه كان يرد الهدايا التي تأتيه أثناء خلافته إلى بيت مال المسلمين؛ (شرح السنة للبغوي جـ 10 صـ 89).

متى يجوز للقضاة والموظفين قبول الهدية؟

يجوز للقضاة والموظفين والعمال قبول الهدية ممن اعتاد الإهداء إليهم قبل توليتهم وظائفهم بسبب القرابة أو الصداقة، بشرط ألا تزيد عن المعتاد قبل الوظيفة.

أقوال العلماء:

قال الخرقي - في معرض حديثه عن القاضي -: ولا يقبل هدية من لم يكن يُهدي إليه قبل ولايته؛ (المغني بتحقيق التركي جـ 14 صـ 58).

قال ابن المنير: يؤخذ من قوله صلى الله عليه وسلم:((هلَّا جلَس في بيت أبيه وأمه)) جواز قبول الهدية ممن كان يهاديه قبل ذلك.

ثم قال ابن حجر العسقلاني معقبًا على كلام ابن المنير: ولا يخفى أن محل ذلك إذا لم يزد على العادة؛ (فتح الباري لابن حجر العسقلاني جـ 13 صـ 179).

قال أحمد بن علي الجصاص - في معرض حديثه عن القاضي -: أما من كان يهاديه قبل القضاء وقد علم أنه لم يُهده إليه لأجل القضاء، فجائز له قبوله على حسب ما كان يقبله قبل ذلك؛ (أحكام القرآن للجصاص جـ 2 صـ 434).

أثر الإحسان على الرِّشوة:

قال الشوكاني: إن للإحسان تأثيرًا في طبع الإنسان، والقلوب مجبولةٌ على حب من أحسن إليها، فربما مالت نفسه إلى المهدي إليه ميلًا يؤثر الميل عن الحق عند عروض المخاصمة بين المهدي وبين غيره، والقاضي لا يشعر بذلك، ويظن أنه لم يخرج عن الصواب بسبب ما قد زرعه الإحسان في قلبه، والرِّشوة لا تفعل زيادةً على هذا؛ (نيل الأوطار للشوكاني جـ 8 صـ 161).

حُكم دفع الرِّشوة عند الضرورة:

يجوز دفع الرِّشوة للحصول على حق أو دفع ضرر أو ظلم، والإثم يكون على الآخذ.

روى الطبراني عن ثوبان، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((إن الله تجاوز عن أمتي ثلاثةً: الخطأ، والنسيان، وما استُكرهوا عليه))؛ (حديث صحيح) (صحيح الجامع للألباني حديث 3515).

روى البيهقي عن ابن مسعود رضي لله عنه: أنه لما أتى أرض الحبشة أخذ بشيء فتعلق به فأعطى دينارين حتى خلي سبيله؛ (السنن الكبرى للبيهقي جـ 10 صـ 139).

روى البيهقي عن وهب بن منبه قال: ليست الرِّشوة التي يأثم فيها صاحبها بأن يرشو فيدفع عن ماله ودمه؛ إنما الرِّشوة التي تأثم فيها أن ترشو لتعطى ما ليس لك؛ (السنن الكبرى للبيهقي جـ 10 صـ 139).

روى عبدالرزاق قال: أخبرنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر بن زيد أبي الشعثاء قال: سمعته يقول: ما كان شيء أنفع للناس من الرِّشوة في زمان زياد ابن أبيه؛ (مصنف عبدالرزاق جـ 8 صـ 149 رقم 14672).

قال الطحاوي: أي إنهم كانوا يفعلون ذلك استدفاعًا للشر عنهم؛ (تحفة الأخيار شرح مشكل الآثار للطحاوي جـ 6 صـ 518).

أقوال العلماء في جواز دفع الرِّشوة عند الضرورة:

سوف نذكر أقوال بعض أهل العلم في جواز دفع الرِّشوة عند الضرورة؛ وذلك للحصول على حق أو دفع ضرر أو ظلم.

1- أحمد بن علي الجصاص:

قال الجصاص - فيمن يرشو السلطان لدفع ظلمه عنه -: فهذه الرِّشوة محرمة على آخذها، غير محظورة على معطيها.

وقال الجصاص أيضًا: رُوي عن جابر بن زيد والشعبي قالا: لا بأس بأن يصانع الرجل عن نفسه وماله إذا خاف الظلم، وروي عن عطاء وإبراهيم النخعي مثله، وقال يونس عن الحسن البصري: لا بأس أن يعطي الرجل من ماله ما يصون عِرضه.

وروى عثمان بن الأسود عن مجاهد قال: اجعل مالك جُنَّة دون دِينك، ولا تجعل دِينك جُنَّة دون مالك، وهذا الذي رخص فيه السلف إنما هو في دفع الظلم عن نفسه بما يدفعه إلى من يريد ظلمه أو انتهاكَ عِرضه؛ (أحكام القرآن للجصاص جـ 2 صـ 433: صـ 434).

2- قال أبو محمد ابن حزم:

لا تحل الرِّشوة، وهي ما أعطاه المرء ليحكم له بباطلٍ، أو ليولَّى ولايةً، أو ليظلم له إنسانٌ؛ فهذا يأثم المعطي والآخذ، فأما مَن مُنِع مِن حقه فأعطى ليدفع عن نفسه الظلم فذلك مباحٌ للمعطي، وأما الآخذ فآثمٌ؛ (المحلى لابن حزم جـ 9 صـ 157).

3- قال أبو القاسم البغوي:

إذا أعطى المعطي الرِّشوة ليتوصل بها إلى حق أو يدفع عنه ظلمًا، فلا بأس به؛ (شرح السنة للبغوي جـ 10 صـ 88).

4- قال ابن حجر الهيتمي:

من أعطى قاضيًا أو حاكمًا رشوةً، أو أهدى إليه هديةً - فإن كان ليحكم له بباطلٍ أو ليتوصل بها إلى نيل ما لا يستحق أو إلى أذية مسلمٍ، فسَق الراشي والمهدي بالإعطاء، والمرتشي والمهدى إليه بالأخذ، والرائش بالسعي، وإن لم يقع حكمٌ منه بعد ذلك، أو ليحكم له بحق أو لدفع ظلمٍ عنه أو لينال ما يستحقه، فسَق الآخذ فقط، ولم يأثم المعطي؛ لاضطراره إلى التوصل إلى حقه بأي طريقٍ كان؛ (الزواجر لابن حجر الهيتمي جـ 2 صـ 427).

5- قال الخطابي:

الراشي، المعطي، والمرتشي، الآخذ، إنما تلحقهما معًا عقوبة اللعن إذا استويا في القصد والإرادة، فرشا المعطي لينال به باطلًا ويتوصل به إلى ظلم، فأما إذا أعطى ليتوصل به إلى حق أو يدفع عن نفسه ظلمًا، فإنه غير داخل في هذا الوعيد؛ (معالم السنن للخطابي جـ 4 صـ 149).

وسائل القضاء على الرِّشوة:

تنقسم وسائل القضاء على الجريمة إلى قسمين:

أولًا: طرق الوقاية من الرِّشوة:

مِن المعلوم أن الوقاية خير من العلاج، وهذه الوقاية تساعدنا على القضاء على جميع الجرائم والأمراض قبل وقوعها، ويمكن أن نجمل طرق الوقاية من الرِّشوة فيما يلي:

1- نشر الوعي الديني بين أفراد المجتمع:

إن تعليم الناس أحكام الدين وترسيخ الاعتقاد بأن الله تعالى قد ضمن أرزاق جميع المخلوقات من أهم المسائل الوقائية للقضاء على جريمة الرِّشوة.

يقول الله تعالى: ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ [هود: 6]، وقال سبحانه: ﴿ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ﴾ [الذاريات: 22، 23]، وقال سبحانه أيضًا: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴾ [الذاريات: 56 - 58].

وروى الشيخانِ عن عبدالله بن مسعود: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق قال: ((إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقةً مثل ذلك، ثم يكون مضغةً مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكًا بأربع كلماتٍ، فيكتب عمله وأجله ورزقه، وشقي أو سعيدٌ، ثم ينفخ فيه الروح، فإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراعٌ فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراعٌ فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار))؛ (البخاري حديث 6594 / مسلم حديث 2643).

روى الترمذي عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لو أنكم كنتم تَوَكَّلون على الله حق توكله، لرزقتم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا، وتَرُوح بطانًا))؛ (حديث صحيح) (صحيح الترمذي للألباني حديث 1911).

روى أبو نعيم عن أبي أمامة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن روح القدس نفَث في رُوعي: أن نَفْسًا لن تموت حتى تستكمل أجلها، وتستوعبَ رزقها؛ فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحمِلَنَّ أحدَكم استبطاءُ الرزق أن يطلبه بمعصية الله؛ فإن الله تعالى لا ينال ما عنده إلا بطاعته))؛ (حديث صحيح) (صحيح الجامع للألباني حديث 2085).

2- التوعية الكاملة بأضرار الرِّشوة لأفراد المجتمع من خلال وسائل الإعلام:

مما لا شك فيه أن تبصير الناس وتوعيتهم من حين لآخر بأضرار الرِّشوة على الفرد وعلى المجتمع، مهمة وسائل الإعلام المرئية والسمعية والمقروءة، وكذلك المساجد والمدارس والجامعات، وذلك له أثر كبير في تحذير الناس من عاقبة جريمة الرِّشوة، وخاصة عند عرض نماذج مما دمرته، سواء في المنازل التي انهارت على أصحابها نتيجة مخالفتها لِما قررته الدولة، أو بعرض نماذج للأفراد الذين أصابتهم الأمراض نتيجة تناول الأدوية والأغذية الفاسدة التي انتشرت بين الناس نتيجة لدفع الرِّشوة؛ (جريمة الرِّشوة لمحمد بن عبدالرحمن الجنيدل صـ 18).

3- الاهتمام بتعيين الموظف المناسب في المكان المناسب:

إن حُسن اختيار الموظف الكفء، الذي يتقي الله تعالى، خير وقاية ليتجنب انتشار جريمة الرِّشوة، فإذا كان الموظف صاحب عقيدة سليمة، ومعروفًا بالصلاح والأمانة والعلم والعفة ومشاورة أهل الرأي، ولديه خبرة في مجال العمل الذي يقوم به، فإن المجتمع سوف ينعم بالأمن والرفاهية الاقتصادية والعمل الاجتماعي الناجح المفيد؛ (جريمة الرِّشوة لمحمد بن عبدالرحمن الجنيدل صـ 19).

4- العمل على تحقيق التوازن الاقتصادي وعدالة توزيع الثروات بين أفراد المجتمع:

إن وصول الحقوق إلى أهلها دون محاباةِ فردٍ على حساب الآخرين مع التزام ولاة الأمور العدل في توزيع ثروات البلاد على جميع أفراد المجتمع، كما حدث ذلك في الصدر الأول للإسلام - مِن الوسائل الوقائية لمحاربة جريمة الرِّشوة؛ (جريمة الرِّشوة لمحمد بن عبدالرحمن الجنيدل صـ 18).

ثانيًا: الطرق العلاجية للرشوة:

إن جريمة الرِّشوة ليس لها عقوبة معينة في شريعتنا الإسلامية الغراء؛ وذلك لأنها من العقوبات التعزيرية التي يختار لها الحاكم عقوبة تتناسب معها، مع مراعاة الأحوال التي تقتضي التشديد في العقوبة أو التخفيف فيها، والظروف التي ارتكبت فيها، والدوافع التي أدت إليها، شـأنها في ذلك شأن جرائم التعزير.

ويمكن أن نجمل وسائل التعزير فيما يلي:

1- التعزير بالمال:

من المعلوم أن الإنسان يحب المال ويبذل في سبيل الحصول عليه قصارى جهده، ومرتكب جريمة الرِّشوة لم يرتكبها إلا للحصول على المال، فإذا أُخذ منه وفرضت عليه عقوبة مالية أخرى تتناسب مع حجم الرِّشوة، فإن هذا فيه علاج حاسم للقضاء على هذه الجريمة، وسوف يكون مرتكب هذه الجريمة بما فرض عليه من العقوبة المالية عبرةً لكل مَن تُسوِّل له نفسُه الإقدام على الرِّشوة؛ (جريمة الرِّشوة لمحمد بن عبدالرحمن الجنيدل صـ 21).

2- التعزير بالحبس:

إذا رأى الحاكم أن الحبس قد يكون عقوبة تعزيرية رادعة لمرتكب جريمة الرِّشوة، جاز له حبسه؛ لأن عقوبة الحبس مشروعة في الإسلام؛ فقد اشترى عمر بن الخطاب دار صفوان بن أمية بأربعة آلاف درهم وسجن فيها الحطيئة الشاعر المعروف، وضبيعًا التميمي، وسجن عثمانُ بنُ عفان ضابئ بن الحارث وكان من لصوص بني تميم، وكذلك فعل علي بن أبي طالب، فإذا سُجن مرتكب جريمة الرِّشوة وحُرم من حريته، حاسب نفسه داخل السجن، وكانت هذه عقوبة نفسية وجسدية، وهي وسيلة رادعة لجريمة الرِّشوة؛ (جريمة الرِّشوة لمحمد بن عبدالرحمن الجنيدل صـ 22).

3- العزل من الوظيفة:

يمكن لولي الأمر أن يعزل الموظف الذي ارتكب جريمة الرِّشوة، مستغلًّا وظيفته للحصول على المال، حتى يكون عبرة لغيره من الموظفين الذين اتبعوا طريق الشيطان للحصول على المال، وذلك بأكل أموال الناس بالباطل، والعزل من الوظيفة قد فعله النبي صلى الله عليه وسلموالخلفاء الراشدون.

إن الموظف الذي جعَل الرِّشوة راية وشعارًا له يجب على وليِّ الأمر عزله واستبداله برجل صالح يقوم بخدمة المسلمين على منهج الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ (جريمة الرِّشوة لمحمد بن عبدالرحمن الجنيدل صـ 23).

4- التشهير:

يُقصَد بعقوبة التشهير: إعلام الناس بجريمة المتهم.

إذا لم ينزجر مَن ارتكب جريمة الرِّشوة ولم يستمع إلى النصيحة، فإن ولي الأمر يمكن له أن يشهِّرَ به أمام الناس؛ زجرًا له ولأمثاله، وذلك عبر وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة؛ فإن الإنسان بطبعه يخاف من التشهير أمام الناس، خاصة إذا كان له زوجة وأولاد، أو كان من أبناء العائلات المعروفة في المجتمع، وهذه عقوبة معنوية لها أثر كبير في القضاء على جريمة الرِّشوة.

نماذج مشرِقة للسلف الصالح في محاربة الرِّشوة:

1- عبدالله بن رواحة:

روى الزهري عن سليمان بن يسار: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث ابن رواحة إلى خيبر فيخرُصُ بينه وبين يهود، فجمعوا حليًّا مِن نسائهم، فقالوا: هذا لك وخفف عنا، قال: يا معشر يهود، والله إنكم لمن أبغض خلق الله إليَّ، وما ذاك بحاملي على أن أحيف عليكم، والرِّشوة سحت، فقالوا: بهذا قامت السماء والأرض؛ (سير أعلام النبلاء جـ 1 صـ 237).

2- عمر بن عبدالعزيز:

عن عمرو بن مهاجر قال: اشتهى عمر بن عبدالعزيز تفاحًا، فأهدى له رجل من أهل بيته تفاحًا، فقال: ما أطيبَ ريحَه وأحسنَه! وقال: ارفعه يا غلام للذي أتى به، وأَقْرِ مولاك السلام، وقل له: إن هديتك وقعت عندنا بحيث تحب، فقلت: يا أمير المؤمنين، ابنُ عمك، ورجل من أهل بيتك، وقد بلغك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأكل الهدية، قال: ويحك! إن الهدية كانت له هديةً، وهي اليوم لنا رشوة؛ (سير أعلام النبلاء جـ 5 صـ 140).

وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله رب العالمين.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة

تابعنا

Legroup جميع الحقوق محفوظة لموقع 2017. يتم التشغيل بواسطة Blogger.

تدوينة الأسبوع

Template Information

اسم المدونة

اسم المدونة

وصف المدونة هنا.

Template Information

Test Footer 2

افضل مقال 2017 ل doucumnt التعاون لمزيد اشترك معناgoogle

كيفية معرفة بأنك مسحور

ما هو السحر السحر:لغة :التخيل والخداع والتمويه. اصطلاحا:ضرر يوقعه إنسان بإنسان أخر بسبب حقد او كراهية ،يصبح الانسان المسحور يتخبط في اموره غ...

Google+ Followers

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

بحث هذه المدونة الإلكترونية

ماهو موقعنا doucumnt

Facebook

قاءمة المدونات الاكترونية

  • homme - *Homme* Être humain adulte du sexe masculin Cet article concerne les individus mâles de l'espèce humaine. Pour l'être humain, voir Homo sapiens. Pour l...
    قبل 5 أسابيع

تابعنا على فيسبوك

Ad Home

LightBlog

إعلان

أتصل بنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

المتابعون

المتابعة بالبريد الإلكتروني

Translate

احدث مواضيعنا

Popular Posts