قصة الرسول صلى عليه وسلم كاملة

طفولة النبي صلى الله عليه و سلم مرحلة من أهم  المراحل في حياة النبي صلى الله عليه و سلم فيها كثير من بشارات النبوة، وفيها كثير من المواقف التي صقلت شخصية النبي صلى الله عليه وسلم وكانت المهد الأول لخير خلق الله وخاتم الأنبياء والمرسلين صلوات ربي وسلامه عليهم أجمعين.
في رحاب سيرة النبي صلى الله عليه و سلم منذ مولده وفي فترة طفولته:
- محمد بن عبد الله بن عبد المطلب سيـد المرسلـين صلى الله عليه وسلم؛ وُلِد بشعب بني هاشم بمكة في صبيحة يوم الاثنين التاسع من شهر ربيع الأول، لأول عام من حادثة الفيل، ولأربعين سنة خلت من ملك كسرى أنوشروان، ويوافق ذلك عشرين أو اثنين وعشرين من شهر أبريل سنة 571 م.
- ولما ولدته أمه أرسلت إلى جده عبد المطلب تبشره بحفيده، فجاء مستبشرًا ودخل به الكعبة، ودعا الله وشكر له‏.‏ واختار له اسم محمد ـوهذا الاسم لم يكن معروفًا في العرب- وخَتَنَه يوم سابعه كما كان العرب يفعلون‏.‏
- وأول من أرضعته من المراضع وذلك بعد أمه صلى الله عليه وسلم بأسبوع، ثُوَيْبَة مولاة أبي لهب (من كتاب الرحيق المختوم للمباركفوري).
- ثم التمس عبد المطلب جد النبي لرسول الله صلى الله عليه وسلم المراضع، واسترضع له امرأة من بني سعد بن بكر، وهي حليمة السعدية.
- في فترة الرضاعة التي مكثها النبي صلى الله عليه و سلم عند بني سعد حدثت الكثير من الحوادث التي كان من شأنها الإشارة إلى علو شأنه صلى الله عليه و سلم منذ صغره وبركته على من حوله، ومعجزات بشرت بنبوته مثل حادثة شق الصدر.
-عاد النبي صلى الله عليه و سلم إلى أمه بعد حادثة شق الصدر ومكث معها حتى بلغ عامه السادس ثم ماتت أمه ليصبح النبي صلى الله عليه و سلم يتيم الأب والأم.
- مكث النبي صلى الله عليه و سلم مع جده بعد وفاة أمه، وكان النبي لا يفارقه ولا سيما في مجالسه مع كبار قومه حتى توفي الجد والنبي في الثامنة من عمره.
- ثم انتقلت كفالة النبي –صلى الله عليه و سلم- إلى عمه أبو طالب، فمكث عنده النبي وتربى مع أولاده وظل عمه يدافع عنه حتى بعد النبوة رغم أن العم قد مات على الكفر.
من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم مُنذ مولده وفي طفولته:
عن البخاري: حدثنا عبد الله ين يوسف: حدثنا الليث: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة» (رواه البخاري في كتاب فضائل القرآن ، باب: كيف نزول الوحي، وأول ما نزل).
1. روى ابن سعد أن أم رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت‏:‏ "لما ولدته خرج من فرجي نور أضاءت له قصور الشام" (وروى أحمد والدارمى وغيرهما قريبًا من ذلك).
2. آيات البركة والخير التي عمت بني سعد عندما كان النبي صلى الله عليه وسلم عندهم؛ كثيرة حيث رأت حليمة مرضعته من البركة التي حلّت عليها بوجوده صلى الله عليه وسلم، حيث امتلأ صدرها بالحليب بعد جفافه، حتى هدأ صغارها وكفّوا عن البكاء جوعاً، وكانت ماشيتها في السابق لا تكاد تجد ما يكفيها من الطعام، فإذا بالحال ينقلب عند مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى زاد وزنها وامتلأت ضروعها باللبن.
3. حادثة شق الصدر: روى مسلم عن أنس‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل، وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال‏:‏ "هذا حظ الشيطان منك"، ثم غسله في طَسْت من ذهب  بماء زمزم، ثم لأَمَه -أي جمعه وضم بعضه إلى بعض- ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه -يعنى ظئره- فقالوا‏:‏ "إن محمدًا قد قتل"، فاستقبلوه وهو مُنْتَقِعُ اللون -أي متغير اللون- قال أنس‏:‏ "وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره" ‏(من كتاب الرحيق المختوم للمباركفوري).
4. عن جَلْهُمَة بن عُرْفُطَة قال‏:‏ قدمت مكة وهم في قحط، فقالت قريش‏:‏ "يا أبا طالب، أقحط الوادي، وأجدب العيال، فهَلُمَّ فاستسق"، فخرج أبو طالب ومعه غلام، كأنه شمس دُجُنَّة، تجلت عنه سحابة قَتْمَاء، حوله أُغَيْلمة، فأخذه أبو طالب، فألصق ظهره بالكعبة، ولاذ بأضبعه الغلام، وما في السماء قَزَعَة، فأقبل السحاب من هاهنا وهاهنا وأغدق واغْدَوْدَق، وانفجر الوادي، وأخصب النادي والبادي (أخرجه ابن عساكر)، وإلى هذا أشار أبو طالب حين قال‏:‏
وأبيضَ يُستسقى الغَمَام بوجهه *** ثِمالُ اليتامى عِصْمَةٌ للأرامل
العِبَر و الفوائد المُستخلصة من طفولة النبي صلى الله عليه و سلم:
1. ولادة النبي صلى الله عليه و سلم يتيماً بلا أب؛ كان من شأنها أن نشأ رجلاً منذ صغره يتحمل الكثير من الآلام والصعوبات والمشاق تمهيداً لحمل الهم الأعظم وهو هم تبليغ رسالة الله عز وجل للبشرية.
2. فِراق النبي صلى الله عليه و سلم صدر أمه إلى مرضعته كما كان الحال عند العرب في ذلك الوقت أكسبه القوة والفصاحة والمَنَعة، فنشأ قوي البنية، سليم الجسم، فصيح اللسان، معتمداً على نفسه.
3. مكث محمد صلى الله عليه و سلم أربع سنين أو يزيد في كنف حليمة السعدية وزوجها الحارث بن عبد العزى سنوات نالتهم فيها بركته؛ وصقلت تلك السنوات شخصيه محمد النبي وظهرت فيها الكثير من علامات النبوة منها حادثه شق صدره الشريف وتطهيره من حظ الشيطان منه.
4. بحادثة شق الصدر نال النبي صلى الله عليه وسلم شرف التطهير من حظ الشيطان ووساوسه، ومن مزالق الشرك وضلالات الجاهليّة، فكان في ذلك دلالة على الإعداد الإلهيّ للنبوّة والوحي منذ الصغر.
5. تأتي وفاة أم النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك ليشتد زمام الصقل لشخصيته النبوية، فقد أرادت حكمه الله أن ينشأ رسوله يتيماً، تتولاه عناية الله وحدها، بعيداً عن الذراع التي تُدلِله والمال الذي يُنعمه؛ فلا تميل بذلك نفسه إلى مجد المال والجاه، وحتى لا يتأثر بما حوله من معنى الصدارة والزعامة.
6. مكوث النبي صلى الله عليه وسلم فترة من الزمن مع جده وحضوره مجالس كبار القوم جعلته ذو عقل كبير راجح واعٍ لحال مجتمعه ومشاكله.
7. كانت المصائب التي أصابت النبي محمد منذ طفولته كموت أمه ثم جده بعد حرمانه من عطف الأب؛ كانت هي كأس الحزن والحرمان الذي ذاقه مره تلو الأخرى، فجعلته تلك المحن رقيق القلب مرهف الشعور راقي الأحاسيس.
8. تربية النبي صلى الله عليه و سلم في بيت عمه وآلامه ورجولته المبكرة؛ علمته أن لا وقت للعب واللهو كالأطفال، وكأنه كان يستعد لتحمل أثقال الرسالة النبوية الشريفة والتي لا يستطيع تحملها إلا من اعتاد تحمل المسؤولية مُنذ نعومة أظفاره.
9. رعي النبي صلى الله عليه و سلم للغنم في طفولته ومطلع شبابه علمه أن يكون خير راعِ، رعى الغنم فنمت بداخله روح الحلم والصبر، فكان يجمعها عند التفرق مثلما جمع أمة بأسرها، وحافظ عليها من أعدائها كما حافظ على دين الله.
10. المعجزات التي كانت عند مولد النبي وفي طفولته؛ من أهم المبشرات بنبوته عليه الصلاة و أزكى السلام.
{رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران:53].                                         شباب الرسول.
    لا شك أن فترة الشباب مهمة في حياة كل إنسان إذ هي في العادة تطلعه على كثير من أمور الحياة، وهي فترة الانطلاق والاندفاع، ونحن في دراستنا لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم ليهمنا كثيرا الاطلاع على فترة شبابه، إذ أنها تعطينا فكرة عن شخصيته عليه الصلاة والسلام كما أنها تعتبر مدخلا لبعثته عليه الصلاة والسلام وسنعرض لتلك الفترة عبر العناصر التالية: عمل النبي صلى الله عليه وسلم وسفره عمل النبي صلى الله عليه وسلم في صغره برعي الغنم لأهل مكة فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من نبي إلا وقد رعى الغنم قالوا وأنت يا رسول الله؟ قال نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة. أخرجه البخاري وأما سفره عليه الصلاة والسلام فقد كان لكسب الرزق والتجارة إلا أنه لما لم يكن له مال كان يتاجر في أموال قومه فخرج يتاجر بمال خديجة - وكانت ذات مال عظيم - في الشام على أجر تعطيه له. وإن كان الذهبي قد ضعف هذا الخبر فالله أعلم بالصواب. الحكمة في رعي الأنبياء للغنم : قال ابن حجر: قال العلماء: الحكمة في إلهام الأنبياء من رعي الغنم قبل النبوة أن يحصل لهم التمرن برعيها على ما يكلفون به من القيام بأمر أمتهم لأنه بمخالطتها يحصل لهم الحلم والشفقة لأنهم إذا صبروا على رعيها وجمعها بعد تفرقها في المرعى ونقلها من مسرح إلى آخر ودفع عدوها عنها من سبع وغيره وعلموا اختلاف طبائعها وشدة تفرقها مع ضعفها واحتياجها إلى المعاهدة ألفوا من ذلك الصبر على الأمة. (فتح الباري لابن حجر) في هذا العمل بيان بترفع النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يكون عالة على غيره إذ أنه بمجرد أن آنس من نفسه القدرة على العمل والكسب سارع إليه للتخفيف عن عمه الذي كان يكفله ويرعاه (محمد سعيد البوطي ) فيه بيان أنه لن يكون لأصحاب الدعوات قيمة معتبرة عند الناس إذا كان كسبهم من عطايا الناس وصدقاتهم ولذا فإن صاحب الدعوة أحرى الناس بالاعتماد على نفسه وجهده الشخصي في معيشته حتى لا يكون لأحد عليه منة أو فضل في دنياه فيعيقه ذلك عن أن يصدع بكلمة الحق في وجهه. (محمد سعيد البوطي ) أن هذا العمل من النبي صلى الله على شرفه وعلو منزلته دعوة لكل للناس بأن لا يتكبر أحد منهم عن العمل وكسب الرزق فشرف الإنسان لا يتحقق له وهو عالة على غيره يستجديهم ويطلب عطفهم فأين هذا من أولئك الذين نشاهدهم صباح مساء في المساجد والطرقات يسألون الناس ويستجدونهم ولا يكلفون أنفسهم عناء عمل شريف يحفظ لهم كرامتهم ومكانتهم. (وائل الظواهري ) مشاركة النبي صلى الله عليه في بعض الأحداث الحاصلة لقومه: المشاركة في بناء الكعبة السبب في إعادة قريش بناء الكعبة أن امرأة دخلت الكعبة لتطيبها فطارت شرارة من مجمرتها في ثياب الكعبة فأحرقتها فعزمت قريش عند ذلك على بنائها إلا أنهم كانوا يهابون هدمها وقد صادف ذلك أن البحر بجدة قذف بسفينة من الشاطئ فتحطمت فاجتمعت قريش وعقدوا أمرهم على بناء الكعبة وأخذوا خشب هذه السفينة وأعدوه لتسقيفها وجمعوا من أموالهم ما كان حلالا لبنائها ولم يدخلوا فيها مالا حراما وكان عندهم نجار قبطي فكلفوه ببنائها ثم قاموا بهدمها عن آخرها حتى بلغوا أساس الكعبة الذي بناه إبراهيم عليه السلام فإذا هو حجارة خضر آخذ بعضها ببعض ثم قاموا بنقل الحجارة لها من ضواحيها والنبي صلى الله عليه وسلم ينقل معهم فقد روى جابر رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينقل الحجارة للكعبة مع قريش وعليه إزار فقال له عمه العباس: يا بن أخي لو حللت إزارك فجعلته على منكبك دون الحجارة ففعل ذلك فسقط مغشيا عليه فما رؤي بعد ذلك اليوم عريانا. ولما بلغت قريش في بنائها إلى الحجر الأسود اختصموا فيمن يضعه وحرصت كل قبيلة على ذلك حتى تواعدوا للقتال ومكثوا على ذلك أربعة أيام ثم إنهم اجتمعوا في المسجد وأشار عليهم أبو أمية بن المغيرة وكان في ذلك الوقت أسن قريش أن يحكموا أول داخل عليهم من باب المسجد فكان أول داخل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأوه قالوا هذا الأمين رضينا به فلما انتهى إليهم أخبروه الخبر فقال: هاتوا لي ثوبا فأتي به فأخذ الحجر فوضعه فيه ثم قال لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم رفعوه جميعا ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه هو بيده ثم بني عليه. الدروس والعبر: أن موافقة قريش على تحكيم النبي صلى الله عليه وسلم بينهم ووصفهم له بالأمين دليل على المكانة العالية التي كان يتمتع بها النبي صلى الله عليه وسلم بين قومه قبل البعثة وهذه المكانة لم ينلها بمال ولا بسن وإنما نالها بحسن خلقه وأمانته وتواضعه حتى عرف واشتهر ذلك بين قومه فحري بنا الاقتداء به عليه الصلاة والسلام والتأسي بأخلاقه. (وائل الظواهري ) أن الاقتراح الذي توصل إليه الرسول صلى الله عليه وسلم لحل هذه الأزمة كان بتوفيق من الله تعالى له ليلفت أنظار الناس إلى ما سيختاره له الله من القيام بأمر أكبر من هذا لتوحيد الناس... وهو الإسلام. (د. مهدي رزق الله أحمد) مشاركة النبي صلى الله عليه وسلم في حرب الفجار وحلف الفضول وقعت حرب الفجار في سوق عكاظ بين قبائل قريش وكنانة من جهة وبين قبائل قيس عيلان من جهة أخرى وكان عمر النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت عشرين سنة وقد حضر معهم هذه الحرب وكان يجهز النبل ويناوله لأعمامه وقد سميت هذه الحرب بحرب الفجار لأنهم انتهكوا حرمة حرم مكة والشهر الحرام وقد قتل في هذه الحرب عدد من القتلى من الجانبين ثم اصطلحوا على أن يحصوا القتلى من الجانبين فمن وجد قتلاه أكثر أخذ دية الزائد ووضعوا الحرب وِأنهوا ما كان بينهم من العداوة والشر. حلف الفضول وفي شهر ذي القعدة على إثر هذه الحرب تم حلف الفضول بين خمسة بطون من قبيلة قريش وهم بنو هاشم وبنو المطلب وبنو أسد وبنو زهرة وبنو تيم وسببه أن رجلا من زبيد جاء بسلعة إلى مكة فاشتراها منه العاص بن وائل السهمي وحبس عنه حقه فاستعدى عليه ببني عبد الدار وبني مخزوم وبن جمح وبني سهم وبني عدي فلم يكترثوا له فعلا جبل أبي قبيس وذكر ظلامته في أبيات ونادى من يعينه على حقه فمشى في ذلك الزبير بن عبد المطلب حتى اجتمع الذين مضى ذكرهم في دار عبد الله بن جدعان رئيس بني تيم وتحالفوا وتعاقدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوما إلا قاموا معه حتى ترد إليه مظلمته ثم قاموا إلى العاص بن وائل السهمي فانتزعوا منه حق الزبيدي ودفعوه إليه. وقد حضر النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحلف مع أعمامه وقال بعد أن شرفه الله بالنبوة لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم ولو أدعى به في الإسلام لأجبت. الدروس والعبر ينبغي على الداعية أن لا يكون في معزل عن الأحداث التي تلم بقومه وعشيرته بل عليه أن يكون متفاعلا معهم يشاركهم همومهم ومشاكلهم ويعين على نصرتهم ما لم يكن هذا التعاون والتفاعل فيه ارتكاب لمحرم أو خرما لمروءة فالداعية المؤثر هو الذي تجده في شاهدا متفاعلا مع الأحداث لا يهرب عند الشدائد ويتنصل من المهام الصعبة. (وائل الظواهري) في الدور الذي قام به الزبير في هذا الحلف دليل على مروءة رجال البيت الهاشمي وبيان فضلهم على غيرهم في مثل هذه المواطن وحسبهم فضلا وشرفا أن الرسول صلى الله عليه وسلم منهم. (د. مهدي رزق الله أحمد) ما عصمه الله من أمر الجاهلية لقد عصم الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم من الانزلاق في العادات والتقاليد الباطلة التي كانت مسيطرة على قومه في الجاهلية فمما عصم الله به نبيه من أمر الجاهلية أن قريشا كانوا يسمون الحمس - يعني الأقوياء الأشداء وكانوا يقفون في الحج بمزدلفة يفعلون ذلك رياسة وكبرا وخالفوا بذلك شعائر إبراهيم عليه السلام في جملة ما خالفوا به روى البخاري ومسلم عن جبير بن مطعم قال أضللت بعيرا لي يوم عرفة فخرجت أطلبه بعرفة فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم واقفا مع الناس بعرفة فقلت هذا من الحمس فما شأنه هاهنا. (يعني لماذا يقف في عرفة مع سائر الناس مع أنه من قريش) وروى ابن إسحاق بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما هممت بقبيح مما يهم به أهل الجاهلية إلا مرتين عصمني الله قلت ليلة لفتى من قريش: أبصر لي غنمي حتى أسمر هذه الليلة بمكة كما تسمر الفتيان قال: نعم فخرجت حتى جئت أدنى دار من دور مكة فسمعت غناء وصوت دفوف ومزامير فقلت: ما هذا قالوا: فلان تزوج فلهوت بذلك حتى غلبتني عيني فنمت فما أيقظني إلا مس الشمس فرجعت إلى صاحبي ثم فعلت ليلة أخرى مثل ذلك فوالله ما هممت بعدها بسوء مما يعمله أهل الجاهلية حتى أكرمني الله بنبوته. وذكر ابن سعد في الطبقات عن ابن عباس قال: حدثتني أم أيمن قالت: كان بوانة صنما تحضره قريش تعظمه وتنسك له النساك ويحلقون رؤوسهم عنده ويعكفون عنده يوما في السنة وكان أبو طالب يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحضر ذلك العيد فيأبى حتى رأيت أبا طالب غضب ورأيت عماته غضبن يومئذ أشد الغضب وجعلن يقلن: إنا نخاف عليك مما تصنع من اجتناب آلهتنا فلم يزالوا به حتى ذهب فغاب عنهم ما شاء الله ثم رجع إلينا مرعوبا فقلن: ما دهاك قال: إني أخشى أن يكون بي لمم، فقلن: ما كان الله ليبتليك بالشيطان وفيك من خصال الخير ما فيك فما الذي رأيت؟ قال: إني كلما دنوت من صنم منها تمثل لي رجل أبيض طويل يصيح وراءك يا محمد لا تمسه، قالت: فما عاد إلى عيد لهم حتى نبئ. الدروس والعبر : أن الله إذا أراد لعبد أن يوجهه لدعوة الخير والإصلاح ألقى في قلبه كره ما عليه مجتمعه من ضلال وفساد. (الأستاذ مصطفى السباعي) أن استقامة الداعية في شبابه وحسن سيرته أدعى إلى نجاحه في دعوته إلى لله وإصلاح الأخلاق ومحاربة المنكرات إذ لا يجد في الناس من يغمزه في سلوكه الشخصي قبل قيامه بالدعوة وكثيرا ما رأينا أناسا قاموا بدعوة الإصلاح وبخاصة إصلاح الأخلاق كان من أكبر العوامل في إعراض الناس عنهم ما يذكرونه لهم من ماض ملوث وخلق غير مستقيم فالداعية المستقيم في شبابه يظل دائما مرفوع الرأس ناصع الجبين لا يجد أعداء الإصلاح سبيلا إلى غمزه بماض قريب أو بعيد. (الأستاذ مصطفى السباعي) تزوج النبي صلى الله عليه وسلم من خديجة : كانت خديجة بنت خويلد امرأة ذات شرف ومال تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم فلما بلغها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يبلغها من صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه بعثت إليه فعرضت عليه أن يخرج في ما ل لها إلى الشام تاجرا وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار مع غلام لها يقال له ميسرة فقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم منها وخرج في مالها ذلك وخرج معه غلامها ميسرة حتى قدم الشام فنزل النبي صلى الله عليه وسلم في ظل شجرة قريبا من صومعة راهب من الرهبان فاطلع الراهب إلى ميسرة فقال من هذا الرجل الذي نزل تحت هذه الشجرة قال له ميسرة هذا رجل من أهل الحرم فقال له الراهب ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي. ثم باع النبي صلى الله عليه وسلم سلعته التي خرج بها واشترى ما أراد أن يشتري ثم أقبل قافلا إلى مكة باعت خديجة ما جاء به فبلغ الضعف أو قريبا وحدثها ميسرة عن قول الراهب وكانت لبيبة حازمة فبعثت إليه تقول يا بن عمي إني قد رغبت فيك لقرابتك وأمانتك وصدقك وحسن خلقك ثم عرضت عليه نفسها فقال ذلك لأعمامه فجاء معه حمزة حتى دخل على خويلد فخطبها وأصدقها النبي صلى الله عليه وسلم عشرين بكرة وكان الذي ألقى خطبة النكاح عمه أبو طالب فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر شرف النبي صلى الله عليه وسلم وفضله ثم ذكر كلمة العقد وبين الصداق وكان عمر النبي صلى الله عليه وسلم عند زواجه منها خمساً وعشرين سنة وكان عمر خديجة أربعين سنة وهي أول أزواجه عليه الصلاة والسلام ولم يتزوج عليها حتى ماتت. وقد ولد له منها القاسم والطيب والطاهر وماتوا صغارا رضعا قبل المبعث ورقية وزينب وأم كلثوم وفاطمة رضي الله عنهم فأما رقية وأم كلثوم فقد تزوجهما عثمان بن عفان واحدة بعد الأخرى وزينب تزوجها أبو العاص بن الربيع وفاطمة زوجة علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين. الدروس والعبر : في إبداء خديجة رغبتها في الزواج من النبي صلى الله عليه وسلم مع امتناعها من الزواج بكبار قريش وأشرافها دليل على ما كان يتميز به النبي صلى الله عليه وسلم من أخلاق عالية. (د. مهدي رزق الله أحمد) أنه لا غضاضة في أن تبدي المرأة الصالحة رغبة الزواج من الرجل الصالح كما فعلت خديجة عندما خطبت محمدا إلى نفسها رغبة فيه لصلاحه. (د. مهدي رزق الله أحمد) أن زواج النبي صلى الله عليه وسلم من خديجة دليل على عدم اهتمامه عليه الصلاة والسلام بالمتعة الجنسية ومكملاتها فلو كان مهتما بذلك كبقية أقرانه من الشباب لطمع بمن هي أقل منه سنا أو بمن ليست أكبر منه على أقل تقدير أو بمن ليست ثيبا. ويتجلى لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما رغب فيها لشرفها ونبلها حتى إنها كانت تلقب بالعفيفة الطاهرة. (د. مهدي رزق الله أحمد) في زواج النبي صلى الله عليه وسلم من خديجة وإنجابه منها مكرمة من الله أكرم بها نبيه عليه الصلاة والسلام ليظل في مكانة اجتماعية مرموقة لا مطعن فيها.                                 دعوة الرسول صلى عليه وسلم
تمهيد:
قد تبيَّن مما سبق بما لا يدع مجالاً للشك أن رسولنا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - مُرسَل من ربه - سبحانه - برسالة الحق، بالدين الخاتَم للناس كافة، بل للجن والإنس.

قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [سبأ: 28].

وقال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107].

وقال تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون ﴾ [الأعراف: 158].

وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((إن مَثَلي ومَثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتًا فأحسَنَه وأجمله إلا موضِع لَبِنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به، ويَعجبون له ويقولون: هلا وُضِعتْ هذه اللَّبِنة! قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين)).

فكانت دعوته في مجملها لتعريف الناس بمصالحهم وبما ينفعهم في معاشهم وبعد مماتهم؛ ولهذا كان من الأهمية بمكان أن نقف على ملامح هذه الدعوة وثِمارها، وحقوق النبي - صلى الله عليه وسلم - ومكانته عند أتباعه.

وسنعيش في هذا الباب مع هذه المعاني، وذلك من خلال ثلاثة أمور، وهي:
• ما الذي يدعو إليه - صلى الله عليه وسلم؟
 ثمرات اتباعه - صلى الله عليه وسلم.
 مكانته، وحقوقه على أتباعه - صلى الله عليه وسلم.

ما الذي يدعو إليه - صلى الله عليه وسلم؟
سؤال يطرح نفسه، إذا كنا نتكلَّم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن صفاته وشمائله وأعماله ونبوَّته - صلى الله عليه وسلم - فلا بد أن نتساءل: ما الذي يدعو إليه؟ وما هي دعوته - صلى الله عليه وسلم؟

فأما دعوته والذي يدعو إليه، فهو الدين كله، الشرع الذي أكمله الله له، ومكارم الأخلاق التي بعثه الله مُتمِّمًا مكمِّلاً لها، والمقام ليس مَقام تفصيل، ولكننا سنشير إلى هذا من خلال بعض المواقف والحوارات التي ثبتت بالنقل إلينا؛ لنقتبس منها الإجابة عن هذا السؤال.

هناك ثلاثة مواقف:
أولاً: موقف عظيم نقله التاريخ بين رجل، هو قيصر الروم صاحب العلم بالنجوم والعلم بالمسيحية، وقد علِم أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - هو رسول آخر الزمان، وبين رجل قريش كان لم يدخل في الإسلام بعد، وكان من أشد الناس عداوة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فانظر إلى هذا الحوارِ الذي دار بينهما، وما انتهى إليه.

فعن عبدالله بن عباس - رضي الله عنهما -: "أن سفيان بن حرب أخبَره: أن هرقل أرسَلَ إليه في ركْب من قريش، وكانوا تجارًا بالشام في المدة التي مادَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها أبا سفيان وكفارَ قريش، فأتوه وهو بإيلياء، فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم، ثم دعاهم ودعا بتَرجُمانه، فقال: أيكم أقرب نَسبًا بهذا الرجل الذي يزعُم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: فقلت: أنا أقربهم نسبًا، فقال: ادنوه مني، وقرِّبوا أصحابه، فاجعلوهم عند ظهره، ثم قال لتَرجُمانه: قل لهم: إني سائل هذا عن هذا الرجل، فإن كذَبني فكذِّبوه، فوالله لولا الحياء من أن يأثِروا عليَّ كذبًا، لكذَبتُ عنه، ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نَسَبُه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسَب، قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟ قلت: لا، قال: فهل كان من آبائه مِن مَلِك؟ قلت: لا، قال: فأشراف الناس يتَّبِعونه أم ضعفاؤهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم، قال: أيزيدون أم يَنقصون؟ قلت: بل يَزيدون، قال: فهل يرتد أحد منهم سُخْطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا، قال: فهل كنتم تتَّهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا، قال: فهل يَغدِر؟ قلت: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها، قال: ولم تُمكِنِّي كلمةٌ أُدخِل فيها شيئًا غير هذه الكلمة، قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم، قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سِجال ينال منا وننال منه، قال: ماذا يأمركم؟ قلت: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والزكاة والصدق والعفاف والصِّلة، فقال للتَّرجُمان: قل له: سألتك عن نَسبه، فذكرتَ أنه فيكم ذو نسبٍ، فكذلك الرسل تُبعَث في نَسبِ قومها، وسألتك: هل قال أحد منكم هذا القول؟ فذكرت أنْ لا، فقلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله، لقلت: رجلٌ يأتسي بقولٍ قيل قبله، وسألتك: هل كان من آبائه مِن مَلِك؟ فذكرت أن لا، قلتُ: فلو كان من آبائه من مَلِك، قلت: رجل يطلُب مُلْك أبيه، وسألتك: هل كنتم تتَّهِمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليَذر الكذب على الناس، ويكذِب على الله، وسألتك: أشراف الناس اتبَعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرتَ أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل، وسألتك: أيزيدون أم يَنقصون؟ فذكرت أنهم يَزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم، وسألتك: أيرتد أحدٌ سُخْطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تُخالِط بشاشتُه القلوبَ، وسألتك: هل يَغدِر؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدِر، وسألتك: بمَ يأمركم؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئًا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف، فإن كان ما تقول حقًّا، فسيملِك موضِع قدَمَيَّ هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، لم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أَخلُص إليه لتجشَّمتُ لقاءه، ولو كنت عنده لغسلتُ عن قدمه، ثم دعا بكتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي بَعث به دحية إلى عظيم بُصرى فدفعه إلى هرقل، فقرأه فإذا فيه: ((بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله، إلى هِرَقل عظيم الروم، سلام على مَن اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بدِعاية الإسلام، أسلِمْ تَسلَم يؤتكَ الله أجرك مرتين، فإن تولَّيتَ، فإن عليك إثم الأريسيِّين، و﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 644])).

قال أبو سفيان: فلما قال ما قال وفرغ من قراءة الكتاب، كثُر عنده الصخب، وارتفعت الأصوات وأُخرِجنا، فقلت لأصحابي حين أخرجنا: لقد أَمِر أَمْرُ ابن أبي كبشة؛ إنه يخافه مَلِك بني الأصفر، فما زلتُ موقِنًا أنه سيظهر حتى أدخل الله عليَّ الإسلام.

وكان ابن الناطور صاحب إيلياء، وهرقل أُسقفًّا على نصارى الشام يُحدِّث أن هِرَقل حين قدِم إيلياء أصبح يومًا خبيث النفس، فقال بعض بطارقته: قد استنكرنا هيئتك، قال ابن الناطور: وكان هرقل حَزَّاء ينظر في النجوم، فقال لهم حين سألوه: إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم مَلِكَ الختان قد ظهر، فمن يَختَتِن من هذه الأمة؟ قالوا: ليس يَختتن إلا اليهود، فلا يَهُمنك شأنهم، واكتب إلى مداين مُلْكك فيقتلوا من فيهم من اليهود، فبينما هم على أمرهم، أُتِي هرقل برجل أرسل به ملك غسان يُخبِر عن خبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما استخبره هرقل، قال: اذهبوا فانظروا أَمُختتن هو أو لا؟ فنظروا إليه فحدَّثه أنه مُختَتِن، وسأله عن العرب فقال: هم يختتنون، فقال هرقل: هذا مُلْك هذه الأمة قد ظهر، ثم كتب هرقل إلى صاحب له بروميَّة، وكان نظيره في العلم وسار هرقل إلى حمص، فلم يَرِم حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يُوافِق رأي هرقل على خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنه نبي، فأذِن هرقل لعظماء الروم في دسْكَرة له بحمص، ثم أمر بأبوابها فغُلِّقت، ثم اطَّلع فقال: يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرُّشد، وأن يثبت مُلْككم فتُبايعوا هذا النبي، فحاصُوا حَيْصَةَ حُمُر الوحش إلى الأبواب، فوجدوها قد غلِّقت، فلما رأى هرقل نَفرتَهم، وأَيس من الإيمان، قال: ردُّوهم عليَّ، وقال: إني قلت مقالتي آنفًا أختبر بها شدتَكم على دينكم، فقد رأيتُ، فسجدوا له ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأن هرقل".

ونَخلُص من هذا الحوار ما انتهى إليه بأن عظيم الروم أقرَّ بنبوَّة النبي - صلى الله عليه وسلم - لما علِم من صفاته وشمائله، والتي اضطر أبو سفيان أن يُقِر بها، ومن خلال التوحيد الذي يدعو إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومكارم الأخلاق، وحتى أوشك هرقل أن يدخل في الإسلام لولا غلَبة نفسه وهواه عليه، فخشي على زوال مُلكه في الدنيا، وآثر مُلْك الدنيا على الآخرة.

ثانيًا: موقف المسلمين المهاجرين إلى الحبشة، والذي تَرويه لنا أم سلمة - رضي الله عنها - زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - وذلك بعدما هاجَر طائفة من المسلمين إلى الحبشة، وأرادت قريش أن تُعيدهم إلى قبضتها، لتُنزل بهم العذاب والنَّكال؛ فاحتالت قريش وأرسَلتْ رجلين إلى النجاشي مَلِك الحبشة؛ لإحداث فتنة بينه وبين المسلمين المهاجرين عنده، فأرسل النجاشي إلى من عنده من المسلمين، وسألهم فقال: ما  هذا الدين الذي فارقتُم فيه قومكم، ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الأمم؟ قالت: فكان الذي كلَّمه جعفر بن أبي طالب، فقال له: أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهليَّة؛ نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونُسيء الجوار، يأكل القوى منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نَسَبه وصِدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحِّده ونعبده ونخلَع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دون الله من الحجارة والأوثان، وأمرَنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصِلة الرَّحم، وحُسْن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذْف المحصنة، وأمرَنا أن نعبد الله وحده لا نُشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام، قال: فعدَّد عليه أمور الإسلام، فصدَّقناه وآمنَّا به واتبعناه على ما جاء به، فعبدْنا الله وحده؛ فلم نشرك به شيئًا، وحرَّمنا ما حرَّم علينا، وأحللنا ما أَحلَّ لنا، فعدا علينا قومُنا فعذَّبونا، وفتنونا عن ديننا؛ ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحلَّ ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وشقُّوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلدك، واخترناك على مَن سواك، ورغِبنا في جوارِكَ؛ ورجونا ألا نُظلَم عندك أيها الملك! قالت: فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ قالت: فقال له جعفر: نعم، فقال له النجاشي: فاقرأه عليَّ، فقرأ عليه صدرًا من (كهيعص)، قالت: فبكى والله النجاشي حتى أخضَلَ لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضَلوا مصاحفهم حين سمِعوا ما تلا عليهم، ثم قال النجاشي: إن هذا واللهِ والذي جاء به موسى ليخرجُ من مشكاة واحدة.

وفي هذا الموقف العظيم استدلَّ جعفر - رضي الله عنه - على نبوَّة النبي - صلى الله عليه وسلم - باصطفاء الله - عز وجل - له من حيث النَّسب والصفات والشمائل، ثم دعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى التوحيد وإلى مكارم الأخلاق، وشتان بين موقف النجاشي الذي آثر الآخرة على الدنيا، فسارَع بالإيمان برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودعوته، وبين موقف هرقل السابق.

ثالثًا: هذا الموقف العظيم لبدوي بسيط من أتباع النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - مع زعيم الفرس رستم في موقعة القادسية، والتي كانت بين الفرس والمسلمين، وقبل بَدء المعركة نظر رستم - قائد الفرس - إلى المسلمين، ثم أرسَل إليهم رجلاً أن رستم يقول لكم: أرسِلوا إلينا رجلاً نُكلِّمه ويكلِّمنا - أراد أن يُصالحهم ويُعطيهم مالاً على أن يَنصرِفوا عنه - وجعل يقول فيما يقول: أنتم جيراننا، وقد كانت طائفة منكم  في سلطاننا، فكنا نُحِسن جوارهم، ونَكُف الأذى عنهم، والمرافق الكثيرة في أهل باديتهم من بلادنا، ولا نمنعهم من التجارة في شيء من أرضنا، وقد كان لهم في ذلك معاش، يُعرِّض لهم بالصُّلح، ولا يُصرِّح.

فلما وصلت الرسالة إلى سعد - رضي الله عنه - أرسَلَ سعد إليه ربعيَّ بن عامر، فخرج ربعي ليدخل على رستم عسكرَه، فاحتَبسه الذين على الباب، وأرسلوا إلى رستم بمجيئه، فاستشار عظماء أهل فارس، فقال: ما تَرون؟ فأجمع ملؤهم على التهاون به، فأظهَروا الزبرج، وبسطوا البُسُط والنمارق، ولم يتركوا شيئًا، ووضِع لرستم سرير الذهب، وأُلبِس زينته من الأنماط والوسائد المنسوجة بالذهب، وأقبل ربعي يسير على فرس له، معه سيف له، ورمحه، ومعه حَجَفَة من جلود البقر على وجهها أديم أحمر مثل الرغيف، ومعه قوسه ونَبله، فلما غشي المَلِك، وانتهى إليه وإلى أدنى البُسُط، قيل له: انزل، فحملها على البُسُط، فلما استوت عليه نزل عنها وربطها بوسادتين، وقد شدَّ رأسه أربع ضفائر وقد قُمن قيامًا كأنهن قرون الوَعل.

فقالوا: ضع سلاحك، فقال: إني لم آتكم فأضع سلاحي بأمركم، أنتم دعوتموني، فإن أبيتم أن آتيكم كما أريد، رجعتُ.

فأخبروا رستم فقال: ائذنوا له، هل هو إلا رجل واحد؟!
فأقبل يتوكأ على رمحه، فما ترك لهم نُمرُقة ولا بِساطًا إلا أفسده وتركه مُخرَّقًا، فلما دنا من رستم جلس على الأرض، وركز رمحه بالبسط.

فقالوا: ما حمَلك على هذا؟
قال: إنا لا نستحب القعود على زينتكم هذه.

فكلمه فقال: ما جاء بكم؟
قال: الله، والله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سَعتها، ومن جَور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلَنا بدينه إلى خلْقه؛ فمن قبِل منا ذلك، قبِلنا ذلك منه، ورجعنا عنه وتركناه وأرضه يليها دوننا، ومَن أبى، قاتلناه أبدًا حتى نُفضي إلى موعود الله، قال: وما موعود الله؟ قال: الجنة لمن مات على قتال مَن أبى، والظفر لمَن بقي.

ومن جملة ما قال له رستم سأله: أنت قائدهم؟
قال: لا، ولكن المسلمين كالجسد بعضهم من بعض، يُجير أدناهم على أعلاهم

انظر إلى هذا الفَهْم واليقين الراقي اللذين عبر بهما عن دعوته ودعوة نبيه - صلى الله عليه وسلم.

ثم ننتقل إلى ما أجمله لنا النبي - صلى الله عليه وسلم - في دعوته فيما رواه لنا ابن عباس - رضي الله عنه - قال: لما بعث النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - معاذَ بن جبل إلى نحو أهل اليمن، قال له: ((إنك تَقدَم على قوم من أهل الكتاب؛ فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحِّدوا الله تعالى، فإذا عرفوا ذلك؛ فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلواتٍ في يومهم وليلتهم، فإذا صلوا، فأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة في أموالهم تؤخذ من غنيهم فتردّ على فقيرهم، فإذا أقروا بذلك، فخذ منهم، وتوقَّ كرائم أموال الناس)).

والآن تعالَوا معنا لنختَتِم التعرف على مبادئ وأُصول ما كان يدعو إليه محمد - صلى الله عليه وسلم - من خلال هذا المقال الطيب لفضيلة الشيخ صفوت الشوادفي - رحمه الله - والذي كان يشغَل منصب نائب رئيس جمعية أنصار السنة بجمهورية مصر العربية، فيه يقول:
ديننا يقوم على دعائم ثلاث: عقيدة صحيحة، وعبادة مشروعة، وأخلاق فاضلة.

وكل واحدة من هذه الثلاث بحاجة إلى بيان:
• فالعقيدة الصحيحة: هي عقيدة السلف الصالح.

• والسلف الصالح هم الصحابة الكرام ومن تَبِعهم بإحسان.

• والعبادة المشروعة: هي العبادة التي قام عليها دليل من الكتاب والسنة، ولم تكن مُبتدَعة.

• والأخلاق الفاضلة: هي كل خُلُق فاضل دعت إليه الشريعة، وحثَّت عليه وأمرت به، وهذه المسائل ليست من أمور الثقافة العامة؛ بل هي أسباب النجاة، والطريق الموصل إلى الله - عز وجل.

 فأما عقيدتنا، فهذا بيانها:
1- الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره.

2- من الإيمان بالله الإيمانُ بما وصَف به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسول - صلى الله عليه وسلم - من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل؛ بل نؤمن بأن الله تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، ولا نَنفي عن الله ما وصَف به نفسه، ولا نُشبِّهه بأحد من خلْقه.

3- القرآن كلام الله مُنزَّل من عنده غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود.

4- من الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بما يكون بعد الموت من فتنةِ القبر وعذابه ونعيمه والبعث بعد الموت، والحوض والميزان، والصراط، والجنة والنار.

5- الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة، ويَنقُص بالمعصية.

6- لا نحكم بالكُفر على مسلم إذا ما ارتكب معصية ولو كبيرة؛ بل نقول: إنه مؤمن ناقص الإيمان أو مؤمن فاسق بكبيرته، ومَن تاب تاب الله عليه، ومن مات بغير توبة مُسلمًا، فهو في مشيئة الله: إن شاء عذَّبه، وإن شاء غفر له.

7- نحب أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأهلَ بيته ونترضَّى عليهم، ونُمسِك عما شَجَر من الخلاف بينهم، ونؤمن بأن لهم من الفضائل والأعمال الصالحة ما يوجِب مغفرة ما صدَر منهم، وكل مَن صَحِب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وآمن به، ومات على ذلك، فهو أفضل من كل تابعي جاء بعده.

8- نُصدِّق بكرامات الأولياء وما يَجري على أيديهم من خوارِق العادات، والوليُّ هو كل مؤمن يتَّقِي الله، ونُحذِّر من أولياء الشيطان الذين تجري على أيديهم الخوارق الشيطانية، وهم مُتَّبِعون لغير سبيل المؤمنين.

9- نتمسَّك بالسنة، ونعلِّمها لعامة المسلمين، ونحارب البِدعة، ونبيِّنُها حتى يَحذَرها المسلمون.

10- لا نشهد لأحد بالجنة، ولا نحكم على أحد بأنه من أهل النار؛ إلا ما أخبرت به النصوص الشرعية من الشهادة بالجنة أو القطع بالنار.

11- نرجو للمحسن من المسلمين حُسن الخاتمة، ونخاف على المسيء منهم سوء الخاتمة.

12- الجنة والنار مخلوقتان لا تَفنيان؛ فالجنة دار لأولياء الله، والنار عقاب لأعداء الله.

13- الاستعانة بالأموات ونداؤهم والاستغاثة بهم شِرْك بالله، وكذا الأحياء فيما لا يَقدِر عليه إلا الله.

14- أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر الصديق، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي.

15- نبي واحد أفضل من جميع الأولياء.

16- الإيمان بجميع الكتب المنزَّلة من عند الله، والقرآن الكريم أفضلها، وهو ناسِخ لما قبله، ومهمين عليه، وكل كتاب قبل القرآن فقد وقع فيه تحريف وتبديل، وأما القرآن، فقد حفِظه الله لفظًا ومعنى، وقال تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9].

17- لا يعلم الغيبَ إلا الله وحده، وهو - سبحانه - يُطلِع بعضَ رسله على شيء من الغيب؛ لقوله: ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ ﴾ [الجن: 26، 27].

18- الذَّهاب إلى الكهَّان والعرافين والدجالين كبيرة من الكبائر، واعتقاد صِدْقهم كُفْر بالله تعالى.

19- لا يجوز لنا أن نتفرّق في الدين، ولا نسعى في الفتنة بين المسلمين، ويجب ردَّ ما اختلفنا فيه إلى الكتاب والسنة، وما كان عليه سلف الأمة.

بهذه المواقف التي ذكرناها، وبهذه الأصول الاعتقادية التي نقلناها، نعلم أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - ما جاء إلا ليُخرِج العباد من الظلمات إلى النور، ويُقيم المِلة الصحيحة، ويُعطي كل ذي قدْر قدره، وليُعرِّف المخلوق بخالقه، ويُبيِّن له كيف يوحِّده، وكيف يعبده بالشرع الذي أنزله الخالق، ثم ليُقيم لنا منهجًا وسبيلاً مَن التزَمه سعِد في الدنيا، ونجا وفاز في الآخرة.

وحصاد وثمار ذلك كله أن يُتمِّم لنا مكارمَ الأخلاق وصالِحَها، ولمَ لا؟! وهو الذي قال عن نفسه: ((إنما بُعِثت لأتمم مكارم الأخلاق))، وفي رواية: ((صالح الأخلاق))، وهو الذي قال عنه ربه: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: 4]، فصلى الله وسلم على محمد المبعوث رحمة للعالمين.
رواه البخاري 3535، مسلم 2286 - 2287، عن أبي هريرة - رضي الله عنه.
 رواه البخاري 7، مسلم 1773.
 رواه أحمد 1/201 - 1740، وإسناده حسن، تعليق شعيب الأرناؤوط، وصححه الألباني في فقه السيرة 115.
 الزبرج: الزينة والذهب.
جمع نمرقة، وهي الوسادة.
انظر: تاريخ الطبري 2/401 402، والبداية والنهاية 7/39.
 رواه البخاري 1395، ومسلم 19.
 تخصيص الصحابة - رضوان الله عليهم - من جهة أنهم هم الذين نقلوا دين النبي - صلى الله عليه وسلم - وهم أكثر الناس محبة له واتباعًا.
 رواه أحمد 2/381 - 8939، وهو صحيح، إسناده قوي؛ تعليق شعيب الأرناؤوط، وصحّحه الألباني في الصحيحة (45) عن أبي هريرة - رضي الله عنه.
وفاة الرسول صلى عليه وسلم ودفنه
بينَ خَيْبَرَ والمدينةِ المنوَّرة مِائَةٌ وعشرونَ كيلومترًا. ولقد كانتْ غزوةُ خَيْبَرَ في الشَّهْرِ المُحَرَّمِ مِنَ السَّنَةِ السَّابعَةِ للهجرة. وبعدَ خَيْبَرَ سُمَّ رسولُ الله في الشَّاة. والتي وَضَعَتْ له السُّمَّ في الشَّاةِ اليَهُودِيَّةُ زينبُ بنتُ الحارِث. وزينبُ هذه هي زَوْجُ سلامِ بنِ مِشْكَمٍ. كانَ رسولُ الله، صلَّى الله عليه وسلَّم، مَرَّةً، عندَها في خَيْبَرَ. قَدَّمَتْ له ولبعضِ أصحابهِ شاةً مسمومةً وَضَعَتْ فيها سُمَّ ساعة. فلمَّا أَكَلَ الرَّسُولُ منها لقمةً واحدةً أخبرَته ذراعُ الشَّاة. قالتْ له أنا مسمومة. فماتَ الصَّحابيُّ فورًا. وأمَّا هو، عليه الصَّلاةُ والسَّلام، فلم يمتْ منه فورًا. بل ظَلَّ يسرِي السُّمُّ في جوفهِ ببطء حتَّى وَصَلَ إلى الأبهرِ، أي عِرْقِ القلب. الله تعالى أظهرَ له في ذلكَ معجزةً حيثُ إنَّ هذا السُّمَّ لم يقتلْه لساعتهِ كما قَتَلَ صاحبَه لساعته. الله تعالى خَفَّفَ عنه تأثيرَه. ظَلَّ هذا السُّمُّ يسري في جسدِه ببطء مُدَّةَ ثلاثِ سنوات. ولم يزلْ رسولُ الله يجدُ أَلمَ هذا السُّمِّ من وقتٍ إلى وقتٍ حَتَّى شَعَرَ عند اقترابِ أجلهِ بأنه وَصَلَ إلى عِرْقِ القلبِ فأظهرَ الله له بهذا السُّمِّ معجزةً حيثُ إنه لم يقتلْه لساعتهِ وإنما بعدَ ثلاثِ سنوات.
ثمَّ لمَّا كانَ ءاخرُ الأمرِ منهُ أنَّ عِرْقَ قلبهِ انقطعَ من أَثَرِ هذا السُّمِّ نالَ الشَّهادة. فلولا أنَّ الله أراد لنبيِّهِ الشَّهَادَةَ لكانتْ ذراعُ الشَّاةِ أخبرتهُ قبلَ أنْ يمضُغ هذه اللُّقْمَةَ. لكنْ بما أنَّ الله أراد له الشَّهَادَةَ ما أنطقَ ذراعَ الشَّاةِ إلَّا بعدَ أن بلعَ لقمةً واحدة. 
ومُدَّةُ مَرَضهِ الذي ماتَ فيهِ إثنا عَشَرَ يومًا. كانَ قال لعائشةَ في مَرَضِ وفاتهِ "يا عائشةُ لا أزالُ أجدُ أَلَمَ الطَّعامِ الذي أكلتُ بخيبرَ ، فهذا أوانُ وجدتُ انقطاعَ أَبْهَرِي من ذلكَ السُّمِّ" رَوَاهُ البخاريُّ في (صحيحه). قال صاحبُ العُجَالةِ السَّنِيَّةِ على ألفيَّة السِّيرة النبويَّة للحافظِ العراقيِّ في الصَّحيفة 348 من كتابهِ ما نصُّه [وتُوُفِّيَ رسولُ الله شَهيدًا يومَ الإثنينِ من ربيعٍ الأَوَّل]ا.هـ.
وفي (فتح الباري)/كتاب المغازي/كتاب الطِّبِّ لابنِ حَجَرٍ أنَّ اسمَ اليهوديَّة التي دَسَّتِ السُّمَّ لرسول الله ، صلَّى الله عليه وسلَّم ، هو زينبُ بنتُ الحارثِ ، وقد اختُلف في إسلامِها .
وفي (سننِ أبي داود) أنها أختُ مَرْحَب .
وفي (سننِ أبي داود) أيضًا عن جابرِ بنِ عبدِ الله أنَّ الرَّسُولَ لم يُرَخِّصْ بقتلِها ..
وفي (صَحِيحَيْ البخاريِّ ومسلم) عن أنسِ بنِ مالكٍ أنَّ رسولَ الله ، صلَّى الله عليه وسلَّم ، لم يُرَخِّصْ بقتلِ اليَهُودِيَّةِ التي دَسَّتْ له السُّمَّ في ذراعِ الشاة.
وفي (سننِ أبي داودَ) أنَّ بِشْرَ بنَ البَراءِ بنِ مَعْرورٍ الأنصارِيَّ كان قد أكلَ من تلكَ الذِّراعِ المسمومةِ مَعَ رسولِ الله وأنه ماتَ بهذا السُّمِّ.
والظَّاهرُ أنَّ الرَّسُولَ لم يُرَخِّصْ بقتلها أَوَّلَ الأمر، ولكنْ بعد مَوْتِ صاحبهِ بِشْرِ بنِ البَراءِ بنِ مَعْرُورٍ الأنصارِيِّ أَمَرَ بقتلها. ففي (سننِ أبي داودَ) عن أبي هريرةَ أنه أمرَ بها فقُتِلَتْ. وفيهِ أيضًا بإسنادٍ ءاخَرَ أنَّ الرَّسُولَ لمَّا ماتَ بِشْرُ بنُ البَراءِ بنِ مَعْرُورٍ أمرَ رسولُ الله بها فقُتِلَتْ.
وتُوُفِّيَ رسولُ الله ضُحَى الإثنينِ لاثْنَتَيْ عَشْرَةَ خَلَتْ من شهرِ ربيعٍ الأَوَّلِ سَنَةَ إحدَى عَشْرَةَ من الهجرةِ وغَسَلَهُ عَمُّهُ العَبَّاسُ وابناهُ قُثَمُ والفَضْلُ وابنُ عَمِّهِ عليُّ بنُ أبي طالب وشُقْرانُ مولى رسولِ الله وأسامةُ بنُ زيدِ بنِ حارثةَ وكُفِّنَ في ثلاثةِ أثواب بيضٍ ليسَ فيها قميصٌ ولا عِمامة. وصلَّى عليه المسلمونَ أَفْذَاذًا لا يَؤُمُّهُمْ أحدٌ. ودخلَ قبرَه عمُّه العَبَّاسُ وابناهُ قُثَمُ والفَضْلُ وابنُ عَمِّهِ عليُّ بنُ أبي طالب وشُقْرانُ مولى رسولِ الله.
ودُفِنَ ليلةَ الأَربعاء .. وقيل دُفِنَ يومَ الثلاثاء .. وما عَجَّلُوا بدفنهِ علمًا بأنَّ الأَوْلى تعجيلُ دَفْنِ الميتِ المسلم . وإنما أَخَّرَ الصَّحابةُ دفنَه من ضُحَى يومِ الإثنينِ إلى ليلةِ الأَربعاء من أجلِ تنظيم شؤونِ الأُمَّةِ لأنهم خافوا أنْ يَتَصَدَّعَ أمرُ الأُمَّةِ فتداركوا الأمرَ واشتغلوا بنصبِ خليفةٍ لرسولِ الله. فنصَبوا أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، رضيَ الله عنه، خليفةً. ثمَّ بعد ذلكَ وفي مساء اليومِ الذي تَمَّتْ فيهِ البَيْعَةُ لأبي بكرٍ دفنوا رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم.
لا يُكْرَهُ تأخيرُ دَفْنِ المَيْتِ المسلمِ إذا كانَ هذا التأخيرُ لسببٍ شرعيٍّ أي لمصلحةٍ دينيَّة.
ودُفِنَ رسولُ الله في الموضعِ الذي تُوُفِّيَ فيه. وهو حُجْرَةُ عائشة.
رَوَى مالكٌ في (المُوَطَّإ) أنَّ رسولَ الله، صلَّى الله عليه وسلَّم، تُوُفِّيَ يومَ الإثنينِ ودُفِنَ يومَ الثلاثاء وصلَّّى النَّاسُ عليه أفذاذًا لا يَؤُمُّهُمْ أحدٌ فقال ناسٌ يُدْفَنُ عندَ المنبرِ وقال ءاخَرُونَ يُدْفَنُ بالبقيع. فجاء أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ فقال سمعتُ رسولَ الله يقول "ما دُفِنَ نبيٌّ قَطُّ إلَّا في مكانهِ الذي تُوُفِّيَ فيه". فَحُفِرَ له فيه. فلمَّا كانَ عندَ غُسْلهِ أرادوا نَزْعَ قميصهِ فسمعوا صوتًا يقول "لا تَنْزِعُوا القميص"ا .. فغُسِّلَ وهو عليه .. ثمَّ حفروا له تحتَ فراشهِ ودفنوه .
كانتْ عائشةُ بنتُ أبي بكرٍ زوجةُ رسولِ الله، صلَّى الله عليه وسلَّم، رأتْ في منامِها قبلَ وفاةِ الرَّسُولِ ثلاثةَ أقمارٍ وَقَعْنَ في بيتِها. فلمَّا ماتَ الرَّسُولُ قال لها أبو بكر "هذا أحدُ أقمارِك الثَّلاثة ".
ثمَّ ماتَ أبو بكر ودُفِنَ إلى جانب الرَّسول. ثمَّ بعدَ أنْ طُعِنَ عُمَرُ بنُ الخَطَّاب قال له بعضُ الأطبَّاء " أَوْصِ" .. فقال "إستأذِنوا عائشةَ في أنْ أُدْفَنَ في بيتها". فسألوها فأَذِنَتْ من طيبِ نفسِها فدُفِنَ إلى جانبِ أبي بكر.
رُوِيَ أَنَّ السَّيِّدَةَ الجليلةَ عائشةَ زَوْجَ النبيِّ، عليه الصَّلاةُ والسَّلام، كانتْ قد رأتْ في المنام ثلاثةَ أقمارٍ سَقَطْنَ في بيتِها. فَقَصَّتْ رؤيتَها على أبيها أبي بكرٍ فقال لها "إنْ صَدَقَتْ رُؤْياكِ يُدْفَنُ في بيتكِ ثلاثةٌ هم خيرُ أهلِ الأرض" .. فلمَّا دُفِنَ النبيُّ المصطفى، صلَّى الله عليه وسلم، قال لها ا"هذا خيرُ أقماركِ الثلاثةِ الذينَ نَزَلُوا حُجْرَتَكِ قد حَلَّ الدَّار" .. ثمَّ دُفِنَ بعدَ ذلكَ في حُجْرَةِ عائشةَ، أيْ بيتِها، صاحبا رسولِ الله أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ ثمَّ عُمَرُ بنُ الخَطَّاب .. فهُمَا، رضيَ الله عنهما، الضَّجيعانِ للنبيِّ من الأقمارِ الثَّلاثة .. وهو، صلَّى الله عليه وسلم، خيرُ جارٍ في المماتِ وخيرُ جارٍ في الحياة .
قال بعضُ العلماء "إنَّ التُّرابَ الذي ضَمَّ النبيَّ في قبرِه أفضلُ عندَ الله تعالى من العرشِ الذي هو سقفُ الجنَّة" .
رَوَى الدَّارِميُّ في (سننه) أنَّ كَعْبًا لمَّا دَخَلَ على أُمِّ المؤمنينَ عائشةَ، رضيَ الله عنها ، أتى الحاضرونَ على ذكرِ رسولِ الله، صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال كَعْبٌ "ما مِنْ يومٍ يَطْلُعُ إلَّا نزَل سبعونَ ألفًا من الملائكةِ حتَّى يحُفُّوا بقبرِ النبيِّ ، صلَّى الله عليه وسلَّم، يضرِبون بأجنحتهم ويُصَلُّونَ على رسولِ الله حتَّى إذا أمسَوا عرجوا وهبط مثلُهم فصنعوا مثلَ ذلكَ حتَّى إذا انشقَّت عنه الأرضُ، يومَ القيامةِ، خَرَجَ في سبعينَ ألفًا من الملائكةِ يَزِفُّونهُ". ورَوَى مثلَه ابنُ النَّجَّارِ عن كَعْبِ الأحبارِ أيضًا والبيهقيُّ في شُعَبِ الإيمان .
هؤلاء الألوفُ من الملائكةِ يَنْزِلُونَ كُلَّ يومٍ إلى قبرِ رسولِ الله ليحُفُّوا بقبرِه الشَّريفِ ويضرِبوا بأجنحتهم أيْ ليتمسَّحوا بهِ تَبَرُّكًا .. فمن أينَ لهؤلاء الجُهَّالِ أنْ يُنْكِرُوا التَّمَسُّحَ بقبرِ رسولِ الله تَبَرُّكًا . وهذا الحديثُ ثابتٌ صحيحٌ عندَ أهلِ السُّنَّةِ وثابتٌ أيضًا عندَ ابنِ القَيِّمِ الجَوْزِيَّةِ الذي تأتمُّ به الوَهَّابيَّة . فقد أَوْرَدَهُ ابنُ القَيِّمِ في كتابهِ المُسَمَّى (جَلاءُ الأفهام) مستحسنًا له من غيرِ أَنْ يُنْكِرَهُ.
والحمدُ لله رَبِّ العالَمين

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

وصفات حلويات عالمية

Beinveun. مرحبا

القط